المقدمة

 

الحمد لله رب العالمين ( الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين )( رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين )

وأصلي وأسلم وأبارك على سيدنا رسول الله الذي كانت أكبر معجزاته القرآن الكريم ، وكان إمامه القرآن ، وكان خلقه القرآن ، وكان ربيع صدره ، ونور قلبه ، وجلاء حزنه القرآن ، فصلوات ربي وسلامه عليه كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون ، ورضي الله عن أصحابه وأزواجه وأتباعه الذين عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون .

أما بعد :

1 ــ  أهمية القرآن الكريم:

فقد أكرمنا ربنا ــ نحن المسلمين ــ بخير كتاب أنزل ، كما أكرمنا بخير نبي أرسل قال تعالى : ( لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون )[ سورة الأنبياء / 10 ] إنه الكتاب الذي لا ريب فيه ،هو الذكر الحكيم ، والسراج المبين ، وحبل الله المتين ، والصراط المستقيم ، الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسن ، ولا يخلق عن كثرة الترديد ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يشبع منه العلماء ، من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ،أمثاله عبر لمن تدبرها ، وأوامره هدى لمن استبصرها ، شرح الله فيه واجبات الأحكام ، وفرق فيه بين الحلال والحرام ، وكرر فيه المواعظ والقصص للأفهام قال تعالى ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) [ سورة الأنعام /38 ]

2 ــ القرآن روح الأمة:

إن القرآن الكريم هو روح الأمة الإسلامية ، به حياتها وعزها ورفعتها ، قال تعالى مخاطبا حبيبه صلى الله عليه وسلم ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) [ سورة الشورى / 52 ]

فالقرآن العظيم روح يبعث الحياة ويحّركها وينميها في القلوب، وفي الواقع العملي المشهود ، والأمة بغير القرآن أمة هامدة لا حياة لها ولا وزن ولا مقدار.

3 ــ القرآن هداية:

والقرآن العظيم هو كتاب الهداية ، ولغة الحياة ، وقصة الكون الصادقة من بدايته إلى نهايته ، بل هو تجديد لميلاد الإنسان على اختلاف الحقب وتوالي الأجيال ، ومرور الدهور والعصور ، نزل لمخاطبة النفس البشرية والأخذ بيدها ، فهو معها آمرا وناهيا ، مرشدا وواعظا ، مبشرا ومنذرا ، حارسا ومدافعا ، مصبرا ومسليا ، معلما وموجها ، سميرا وجليسا ، صديقا وأنيسا ، فهو الحياة في سموها ، والسعادة في أوجها

             كالبدر من حيث التفت رأيته          يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا

        كالشمس في كبد السماء وضوءها         يغشى البلاد مشارقا ومغاربا

  لقد جعله الله هداية للبشرية جمعاء يهديها إلى أفضل غاية وإلى أقوم طريق ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم[ سورة الإسراء / 9 ]

4 ــ القرآن نور :

والقرآن ( نور ) من الله لعباده إلى جوار نور الفطرة والعقل ( نور على نور ) قال تعالى : ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم )[ سورة المائدة / 15 ]

 وقد وصف هو نفسه بأنه نور في آيات كثيرة ، كما في قوله تعالى ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا ) [ سورة النساء / 174 ]وقوله تعالى ( فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا [ سورة التغابن / 8 ]

ومن خصائص النور : أنه بين في نفسه ، مبين لغيره ، فهو يكشف الغوامض ، ويوضح الحقائق ، ويدحض الأباطيل ، ويدفع الشبهات ، ويهدي الحائرين إذا التبس عليهم السبيل أو عدم لديهم الدليل ، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى.

وإذا وصف القرآن بأنه (نور ) وأنه ( النور ) فقد وصفت التوراة بلفظ آخر ( فيها هدى ونور ) كما في قوله تعالى ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) [ سورة المائدة / 44 ] وكذلك وصف الإنجيل ، فقد قال الله تعالى عن عيسى عليه السلام ( وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور )[ سورة المائدة / 46 ]

وهذا التمييز بين التعبيرين يدل على الفرق بين القرآن وغيره من الكتب ، وهو ما عبر عنه البوصيري في لاميته فقال :

                  الله أكـبر إن ديـن محمـــد              وكتابه أقوى وأقوم قيلا

             لا تذكروا الكتب السوالف عنده        طلع الصباح فأطفئ القنديلا

وذلك أن هذا القرآن جاء مصدقا لما بين يديه من الكتب ، أي في أصولها العقدية والأخلاقية قبل أن تحرف ، ومهيمنا عليها ، أي مصححا لها فيما أدخل عليها من أوهام البشر وانحرافاتهم ، وفي هذا يقول الله تعالى : ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه )[ سورة المائدة / 48 ].

5 ــ حاجة العالم أجمع إلى القرآن الكريم :

إن العالم كله في حاجة إلى نور القرآن ، لتصان كرامة الإنسان الذي صار في عصرنا هذا أرخص شيء في دنيا الناس ، العالم في حاجة إلى القرآن ليكون الحق والعدل أساسا في معاملة الإنسان للإنسان

وما أحوج المسلمين في هذا الزمن إلى القرآن ، ذلك أنهم لا يستطيعون أن يواجهوا قضايا عصرهم وزمانهم إلا بالقرآن العظيم ، يعتصمون به في روابطهم ، ويقيمون أحكامه في حياتهم ، ويجاهدون به أعداءهم ، ويصلحون به دنياهم ، ويستقبلون به آخرتهم ، ولقد اقتضت سنة الله تعالى في خلقه أن يكون اتباعهم القرآن الكريم سببا لنجاتهم ، قال تعالى : ( فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ) [ سورة طه / 123 ، 124 ]

6 ــ كيف يتحقق الاتباع الحق للقرآن الكريم:

وإن الاتباع الحق للقرآن الكريم ، والتطبيق السليم لتوجيهاته وأوامره ، لفرع عن الفهم الصحيح والفقه السليم ، فليس هناك أفضل من أن نفهم عن الله مراده منا ، وما أنزل القرآن إلا لنتدبره ، ونفقه أسراره ، ونحكمه في كل شأن من شؤون حياتنا.

7 ــ أفضل حديث عن القرآن ما جاء عن رسول الله :

وأفضل وأكرم من تحدث عن القرآن الكريم ــ إشادة بفضله وفضائله ، وتفسيرا لآياته وبيانا لمعانيه ــ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن أبي حاتم " إن الله عز وجل ابتعث محمدا رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ، وأنزل عليه الكتاب تبيانا لكل شيء ، وجعله موضع الإبانة عنه ، فقال : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) [ النحل / 44 ]وقال عز وجل ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ) [ النحل 64 ] فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبين عن الله عز وجل أمره ، وعن كتابه معاني ما خوطب به الناس ، وما أراد الله عز وجل به وعنى فيه ، وما شرع من معاني دينه وأحكامه وفرائضه وموجباته وآدابه ومندوبه وسننه التي سنها ، وأحكامه التي حكم بها ، وآثاره التي بثها "(1).

وقال الإمام الشاطبي " السنة إنما جاءت مبينة للكتاب وشارحة لمعانيه ، ولذلك قال تعالى ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) [ النحل 44 ] وقال ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) [ المائدة / 67 ] وذلك التبليغ من وجهين :تبليغ الرسالة وهو الكتاب ، وبيان معانيه ، وكذلك فعل صلى الله عليه وسلم ، فأنت إذا تأملت موارد السنة وجدتها بيانا للكتاب ، هذا هو الأمر العام فيها ... "(2).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية " فإن قال قائل : فما أحسن طرق التفسير ؟ فالجواب : إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن ، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر ، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر ، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة ، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له ، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي : كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن ، قال تعالى ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ) [ النساء / 105 ] وقال تعالى ( وأنزلنا لإليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) [ النحل / 44 ] وقال تعالى ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) [ النحل / 64 ] ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه )(3). يعني السنة ، والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، لا أنها تتلى كما يتلى ، وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك ، والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه ، فإن لم تجده فمن السنة "(4).

واتباعا لهذا المنهج في علاقة السنة المطهرة بالقرآن الكريم من حيث اشتمالها على بيان فضائل القرآن الكريم ، وتفسير آياته ، والحديث عن قراءاته ، فقد عني علماء الحديث عبر القرون المختلفة بجمع هذه المرويات التي تخدم القرآن الكريم من خلال هذه الجوانب التي ألمحنا إليها ، فمنهم من صنف في التفسير بالمأثور استقلالا : كالثوري ، ومالك بن أنس ، ووكيع بن الجراح ، وسفيان بن عيينة ، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني ، والفريابي ، وابن أبي شيبة ، وإسحاق بن راهويه ، والإمام أحمد بن حنبل ، وعبد بن حميد ، والدارمي ، وابن ماجه القزويني ، وبقيي بن مخلد ، وابن جرير الطبري ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ الأصبهاني ، وابن شاهين ، وابن مردويه ، والإمام البغوي ، والإمام السيوطي(5).

ومنهم من ضمّن كتابه الذي صنفه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مرويات التفسير ، وفضائل القرآن ، وقراءاته : كسعيد بن منصور في سننه ، والإمام أحمد في مسنده ، والإمام البخاري في جامعه ، والإمام الترمذي في جامعه ، والإمام النسائي في سننه الكبرى ، والإمام الحاكم في مستدركه ، والإمام ابن الأثير في كتابه الماتع جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، والإمام الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد .

واقتداء بهؤلاء الأئمة الأعلام ، وسيرا على دربهم ، ورغبة في التعايش مع القرآن الكريم من خلال السنة المطهرة ، وخدمة لأحبابنا الذين يتواصلون ليل نهار مع شبكة السنة النبوية المطهرة ، فقد عقدنا العزم مستعينين بالله تعالى مستمدين منه الحول والقوة في التعايش مع القرآن الكريم ــ فضائله ، تفسيره ، قراءاته ــ من خلال هذه الأيقونة الجديدة ، وسنحرص بإذن الله تعالى في ذكر الأحاديث على المقبول منها دون المردود ، وسنجمع في تناولنا لها وعرضنا إياها على جانبي الرواية والدراية معا ، فذلك من وجهة نظرنا أثرى في العرض وأعم في الفائدة التي نتغياها للقارئ الكريم ، فإن وفقنا في ذلك فلله الفضل والمنة ، وإن كانت الأخرى فحسبنا أننا اجتهدنا والمجتهد مأجور أصاب أم أخطأ .

فضائل القرآن الكريم:

في السنة النبوية المطهرة حديث عن فضائل القرآن الكريم من خلال ثلاث زوايا: الأولى : أحاديث تتحدث عن فضائل القرآن الكريم عامة .

الثانية : أحاديث تتحدث عن فضائل بعض سور القرآن الكريم .

الثالثة : أحاديث تتحدث عن فضائل بعض آياته .

وتحت هذا العنوان الذي عنونا به لهذا الباب سنعرض بإذن الله تعالى للأحاديث المتعلقة بفضائل القرآن الكريم عامة ، أما الأحاديث المتعلقة بفضائل بعض سور القرآن الكريم ، أو المتعلقة بفضائل بعض آياته فستأتي بإذن الله تعالى في موضعها في الباب الثاني المتعلق بتفسير السنة للقرأن الكريم ، إذ الأمر يقتضينا حين نعرض للأحاديث المتعلقة بتفسير أي سورة أن نعرض لما ورد في فضل السورة أولا ، ثم حين نعرض للأحاديث المتعلقة بتفسير بعض الآيات فيها أن نعرض لزاما للأحاديث الوارد في فضلها إذا كانت هناك أحاديث تتعلق بفضلها بطبيعة الحال ، وهذا ما تقتضيه المنهجية العلمية من ناحية ، وحفاظا على عدم تشتيت القارئ من ناحية أخرى ، والله نسأل أن يرزقنا التوفيق والسداد .


(1) الجرح والتعديل 1 / 1 ــ 2 .

(2) الموافقات 3 / 230 .

(3)أخرجه ابو داود ، كتاب السنة ، باب في لزوم السنة ( 4604 ) وأحمد ( 4 / 131 ) وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان ( 12 ) وسنده صحيح

(4) مجموع الفتاوى 13 / 363 .

(5)انظر تفصيل ذلك : التفسير النبوي للدكتور خالد الباتلي 1 / 92 ــ 105



بحث عن بحث