التربية الإيمانية(14)

 

 

الثمرة السابعة : اختفاء الظواهر السلبية وقلة المشكلات بين الأفراد

عندما يضعف الإيمان : يعلو الهوى ويسيطر على الإرادة ،والهوى هو كل ما تميل إليه النفس ، أي أن غلبة الهوى معناها سيطرة النفس بأطماعها على إرادة الإنسان وقلبه ، فيصبح أسيًرا لها .

فالنفس شحيحة تحب الاستئثار بكل ما تظن أن فيه نفعها ، فينشأ عن هذا الهوى - عندما يتمكن من القلب - الطمع والظلم والبخل والتعدي على حقوق الآخرين .

والنفس تريد دومًا العلو على الآخرين وتكره أن يتميز عليها أحد فينتج عن ذلك الحسد والحقد.

والنفس تكره الظهور بمظهر المخطئ فينشأ عن هذا الهوى عندما يسيطر على القلب : الكذب والغش والخداع ..

والنفس تكره المشاقّ والتكاليف فينشأ عن ذلك : الفسوق وعدم القيام بالأوامر الشرعية ...

وهكذا تنطلق جميع الظواهر السلبية والمشكلات من ضعف الإيمان وغلبة هوى النفس.

والحل الأول والأمثل لعلاج المجتمع المسلم من ظواهره السلبية إنما يكون بإصلاح الإيمان ، فكلما ازداد الإيمان في القلوب انحسر تأثير الهوى عليها وقويت الإرادة ودفعت صاحبها لمكارم الأخلاق ومعاليها .. تأمل قول الله تعالى : ( وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [ص/24].

ليس معنى هذا هو انعدام المشكلات بين الأفراد ، فالطبيعة البشرية وما تحمله من ضعف تأبى ذلك ، ولكنها - إن حدثت – تكون هينة ، عارضة سرعان ما تزول عندما يسمع أصحابها حادي الإيمان ينادي عليهم أن اتقوا الله  ( نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) [ص/30].

فعلى سبيل المثال : عندما عزم أبو بكر الصديق على قطع النفقة التي كان ينفقها على مسطح بن أثاثة لأنه كان ممن تكلم في حادثة الإفك نزل القرآن ليُذكّره وغيره بفضيلة العفو بقوله تعالى : ( وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [النور/22]  فعند ذلك قال الصديق : بلى والله إنّا نحب أن تغفر لنا يا ربنا ، ثم أرجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة ، وقال : والله لا أنزعها منه أبدًا (1) .

 وعندما اختلف رجلان على ميراث بينهما وذهبا يحتكمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فماذا فعل معهما ؟! .

عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد دُرِست ليس بينهما بينة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر ، ولعل بعضكم ألحَن بحُجَّته من بعض فإني أقضي بينكم على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطامًا في عنقه يوم القيامة » فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما : حقي لأخي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخَّيَا الحق ثم استهما ثم ليتحلل كل واحد منكم صاحبه) (2) .

وعندما تولى أبو بكر الصديق الخلافة قام بتعيين عمر بن الخطاب قاضيًا على المدينة ، فمكث عمر سنة لم يفتح جلسة ، ولم يختصم إليه اثنان ، فطلب من أبي بكر إعفاءه من القضاء ، فقال له أبو بكر : أمن مشقة القضاء تطلب الإعفاء يا عمر ؟!

فقال : لا يا خليفة رسول الله ، ولكن لا حاجة لي عند قوم مؤمنين ، عرف كل منهم ما له من حق فلم يطلب أكثر منه ، وما عليه من واجب فلم يُقصِّر في أدائه .. أحب كل منهم لأخيه ما يحبه لنفسه .. إذا غاب أحدهم تفقدوه ، وإذا مرض عادوه ، وإذا افتقر أعانوه ، وإذا احتاج ساعدوه ، وإذا أصيب واسوه ..دينهم النصيحة ، وخلقهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيم يختصمون ؟ ففيم يختصمون ؟!


(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/259 ، 260 .

(2) أخرجه الإمام أحمد  ( 6/320) ، وقال شعيب الأرنؤوط : إسناده حسن ، وابن أبي شيبة ( 7/353 ) . والإسطام : هي الحديدة التي تُحرَّك بها النار .

 

 



بحث عن بحث