بحث عن بحث

هدي النبي في الاعتكاف (1-2)

سبق أن تعرضنا لهدي النبي ﷺ في العشر الأواخر وليلة القدر، وكيف كان اغتنامه لهذا الشهر الطيب المبارك، وتعرضه لنفحات المولى الكريم سبحانه في هذه العشر العظيمة، ولا يفوتنا هنا أن نتعرض لهديه ﷺ في الاعتكاف، قال العلامة ابن القيم رحمه الله مبينًا هديه في ذلك:

»لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقفًا على جمعيته على الله، ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب وفضول مخالطة الأنام، وفضول المنام مما يزيده شعثًا، ويشتته في كل واد، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى أو يضعفه أو يعوقه ويوقفه، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى وشرعه بقدر المصلحة العاجلة والآجلة، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتعال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم كله به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلًا عن أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور، حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم.

ولما كان هذا المقصود إنما يتم مع الصوم شرع الاعتكاف في أفضل أيام الصوم، وهي العشر الأخيرة من رمضان، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه اعتكف مفطرًا قط، بل قد قالت عائشة رضي الله عنها: «لا اعتكاف إلا بصوم«(1).

ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله رسول الله ﷺ إلا مع الصوم، فالذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه  الله.

وأما الكلام؛ فإنه شرع للأمة حبس اللسان عن كل ما لا ينفع في الآخرة.

وأما فضول المنام؛ فإنه شرع لهم من قيام  الليل ما هو من أفضل السهر وأحمده عاقبةً، وهو السهر المتوسط الذي ينفع القلب والبدن ولا يعوق عن مصلحة العبد، ومدار رياضة أرباب الرياضات والسلوك على هذه الأركان الأربعة، وأسعدهم بها من سلك فيها المنهاج النبوي المحمدي، ولم ينحرف انحراف الغالين، ولا قصر تقصير المفرطين«(2).

ثم قال :: «وكان ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل(3)، وتركه مرة فقضاه في شوال(4)، واعتكف مرة في العشر الأول، ثم الأوسط، ثم العشر الأخير يلتمس ليلة القدر، ثم تبين له أنها في العشر الأخير(5)، فداوم على اعتكافه حتى لحق بربه عز وجل.

وكان يأمر بخباء فيضرب له في المسجد، يخلو فيه بربه عز وجل، وكان إذا أراد الاعتكاف صلى الفجر ثم دخله، فأمر به مرة فضُرب، فأمر أزواجه بأخبيتهن فضربت، فلما صلى الفجر نظر فرأى تلك الأخبية فأمر بخبائه فقوِّض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال(6).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه أبوداود في متنه موقوفًا عن عائشة ك (2473) .

(2) زاد المعاد (2/86 – 88) .

(3) أخرجه البخاري (2026)، ومسلم (1172) .

(4) أخرجه البخاري (2041)، ومسلم (1173).

(5) أخرجه مسلم (1167) .

(6) أخرجه البخاري (2033، 2034)، ومسلم (1173) .