بحث عن بحث

 

حديث: ( حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً )

 

قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في (كتاب الرقاق) من صحيحه:

حدثنا هدبة بن خالد حدثنا همام حدثنا قتادة حدثنا أنس بن مالك عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بينا أنا رديف النبي صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل فقال:" يا معاذ "، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة ثم قال: " يا معاذ "، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة ثم قال:" يا معاذ بن جبل "، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: " هل تدري ما حق الله على عباده "؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال:" حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً "، ثم سار ساعة ثم قال:" يا معاذ بن جبل "، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال:" هل تدري ماحق العباد على الله إذا فعلوه "؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال:" حق العباد على الله أن لا يعذبهم ".

 

المبحث الأول/ التخريج:

أورد البخاري في صحيحه هذا الحديث في خمسة مواضع هذا أحدها في (باب من جاهد نفسه في طاعة الله)، والثاني في (كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار)، ولفظه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم سمع يحيى بن آدم حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن معاذ رضي الله عنه قال: ((كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير، فقال: يا معاذ هل تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً. فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا)). والثالث في (كتاب اللباس، باب إرداف الرجل خلف الرجل) وسياق سنده ومتنه مماثل تماماً لما في (باب من جاهد نفسه في طاعة الله) إلاّ أنه بدون حرف النداء في الجملة الأولى أي: قال معاذ مجيباً النبي صلى الله عليه وسلم: (لبيك رسول الله وسعديك). والرابع في (كتاب الاستئذان، باب من أجاب بلبيك وسعديك) ولفظه: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا همام عن قتادة عن أنس عن معاذ قال: ((أنا رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا معاذ، قلت: لبيك وسعديك، ثم قال مثله ثلاثاً: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قلت: لا، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سار ساعة فقال: يا معاذ، قلت: لبيك وسعديك، قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم)). حدثنا هدبة حدثنا همام حدثنا قتادة عن أنس عن معاذ بهذا. والخامس في (كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى) ولفظه: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي حصين والأشعث بن سليم سمعاً الأسود بن هلال عن معاذ بن جبل قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. أتدري ما حقهم عليه؟ قال الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم)).

وأخرجه مسلم في (كتاب الإيمان) من صحيحه عن شيخه هداب بن خالد الأزدي بمثل إسناده ومتنه عند البخاري في (كتاب اللباس)، ورواه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي الأحوص بمثل إسناده ومتنه عند البخاري في (كتاب الجهاد)، ورواه عن محمد بن المثنى وابن بشار عن محمد بن جعفر بمثل إسناده ونحو متنه عند البخاري في (كتاب التوحيد)، ورواه عن شيخه القاسم بن زكريا عن حسين عن زائدة عن أبي حصين بنحو حديث شيوخه المذكورين.

وروى أبو داود في سننه في (كتاب الجهاد، باب في الرجل يسمي دابته) عن شيخه هناد بن السري بإسناده إلى معاذ قوله: ((كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له: عفير)).

وأخرجه الترمذي في آخر (كتاب الإيمان) من جامعه فقال: حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، قال: أتدري ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم))، هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن معاذ بن جبل.

 

المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:

الأول: شيخ البخاري هدبة بن خالد: قال الحافظ ابن حجر في (التقريب): هدبة ـ بضم أوله وسكون الدال بعدها موحدة ـ بن خالد بن الأسود القيسي، أبو خالد البصري، ويقال له: هدّاب ـ بالتثقيل وفتح أوله ـ ثقة عابد، تفرد النسائي بتليينه، من صغار التاسعة، مات سنة بضع وثلاثين ـ أي بعد المائتين ـ، ورمز لكونه من رجال الشيخين وأبي داود.

وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): هدبة بن خالد بن الأسود بن هدبة، أبو خالد القيسي، البصري، أخو أمية، ويقال: هدّاب، سمع هماماً عندهما ـ أي في الصحيحين ـ وحماد بن سلمة، وسليمان بن المغيرة عند مسلم. روى عنه البخاري، ومسلم، مات سنة ست أو سبع أو ثمان وقيل خمس وثلاثين ومائتين. انتهى.

ونقل في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن ابن معين ومسلمة بن القاسم. وقال الذهبي في (الميزان): هدبة بن خالد القيسي البصري، ولقبه هدّاب، ثقة عالم، صاحب حديث ومعرفة، وعلو إسناد، شهد جنازة شعبة، وروى عن جرير بن حازم، وحماد بن سلمة، وأبان بن يزيد. وعنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والفريابي، وأبو يعلى، والبغوي، والناس. وثقه ابن معين وغيره، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن عدي بعد أن ذكره في (الكامل): لا أعرف له حديثاً منكراً. وأما النسائي فقال: ضعيف، وقواه مرة أخرى. وقال عبدان الأهوازي: كنا لا نصلي خلف هدبة من طول صلاته، يسبح في السجود نيفاً وثلاثين تسبيحة، وكان أشبه خلق الله بهشام بن عمار، لحيته ووجهه وكل شيء منه حتى صلاته، توفى سنة خمس وثلاثين ومائتين.

وقال الحافظ في مقدمة الفتح بعد ذكر تضعيف النسائي له: قلت: لعله ضعفه في شيء خاص، وقد أكثر عنه مسلم، ولم يخرج عنه البخاري سوى أحاديث يسيرة من روايته عن همام. انتهى.

وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: وقد ذكره مسلم في مواضع من الكتاب يقول في بعضها هدبة وفي بعضها هدّاب، واتفقوا على أن أحدهما اسم والآخر لقب، ثم اختلفوا في الاسم منهما فذكر الخلاف، وقال: وذكره البخاري في تاريخه فقال هدبة بن خالد، ولم يذكره هداباً، فظاهره أنه اختار أن هدبة هو الاسم، والبخاري أعرف من غيره، فإنه شيخ البخاري ومسلم ـ رحمهم الله أجمعين ـ والله أعلم. انتهى.

الثاني: همام ـ وهو ابن يحيى الأزدي البصري ـ تقدم في رجال إسناد الحديث السابع.

الثالث: قتادة ـ وهو ابن دعامة بن قتادة السدوسي البصري ـ تقدم في رجال إسناد الحديث الثالث عشر.

الرابع: أنس بن مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه، تقدم في رجال إسناد الحديث السادس.

الخامس: صحابي الحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: قال الحافظ ابن حجر في (التقريب): معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن، من أعيان الصحابة، شهد بدراً وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن، مات بالشام سنة ثمان عشرة، مشهور، ورمز لكون حديثه في الكتب الستة.

وقال الخزرجي في (الخلاصة): أبو عبد الرحمن المدني، أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة وشهد بدراً والمشاهد، له مائة وسبعة وخمسون حديثاً، اتفقا ـ أي البخاري ومسلم ـ على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث.

وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: أن له عند البخاري ستة أحاديث. وقال الحافظ في ترجمته في (الإصابة): الإمام المقدم في علم الحلال والحرام، وقال: شهد بدراً وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وأمّره النبي صلى الله عليه وسلم على اليمن، والحديث بذلك في الصحيح من رواية ابن عباس عنه، وقال: وفي سنن أبي داود عن معاذ بن جبل قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني لأحبك...)) الحديث في القول بعد كل صلاة، وعده أنس بن مالك فيمن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في الصحيح. وفيه عن عبد الله بن عمرو رفعه: ((اقرؤوا القرآن من أربعة...)) فذكره فيهم، وقال: وقال أبو نعيم في (الحلية): ((إمام الفقهاء، وكنـز العلماء، شهد العقبة وبدراً والمشاهد، كان من أفضل شباب الأنصار حلماً وحياء وسخاء، وكان جميلاً وسيماً)).

وقال الحافظ ابن حجر أيضاً: وفي حديث أبي قلابة عن أنس عند الترمذي وغيره في ذكر بعض الصحابة مرفوعاً: ((وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ))، وفي مرسل أبي عون الثقفي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((يأتي معاذ يوم القيامة أمام الناس برتوة))، أخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه، وأورده ابن عساكر من طريق عن محمد بن الخطاب، وقال: ومناقبه كثيرة جداً، وقدم من اليمن في خلافة أبي بكر، وكان وفاته بالطاعون في الشام سنة سبع عشرة أو التي بعدها وهو قول الأكثر، وعاش أربعاً وثلاثين سنة، وقيل غير ذلك. انتهى.

 

المبحث الثالث/ لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:

(1) رجال الإسناد الستة خرّج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلاّ شيخ البخاري فلم يرو له مع البخاري سوى مسلم وأبي داود.

(2) رجال الإسناد كلهم بصريون إلاّ معاذ بن جبل رضي الله عنه فإنه مدني.

(3) في الإسناد صحابيان: معاذ بن جبل وأنس بن مالك رضي الله عنهما، فالحديث من رواية صحابي عن صحابي.

(4) صيغة الأداء في الإسناد التحديث إلاّ في رواية أنس عن معاذ رضي الله عنهما فهي العنعنة.

(5) قتادة من المعروفين بالتدليس، وقد صرّح في هذا الإسناد بالتحديث، فأمن بذلك احتمال تدليسه.

(6) قال الحافظ ابن حجر في (نخبة الفكر): ومن المهم معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفي هذا الإسناد شاهد لذلك فهدبة شيخ البخاري كنيته أبو خالد واسم أبيه خالد.

(7) معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بينا أنا رديف النبي صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلاّ آخرة الرحل. ومثل هذا من الصيغ التي يستدل بها على أن الراوي قد ضبط ما رواه، قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) في شرح قوله: (ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل). وفائدة ذكره المبالغة في شدة قربه ليكون أوقع في نفس سامعه أنه ضبط ما رواه.

(8) معاذ بن جبل رضي الله عنه رديف النبي صلى الله عليه وسلم كما في هذا الحديث، ومن الأمور اللطيفة التي تدل على عناية سلف هذه الأمة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً وتقريراً، ما ذكره الحافظ ابن حجر في (الفتح) عن ابن منده حيث قال في شرحه لهذا الحديث في (كتاب اللباس): وقد أفرد ابن منده أسماء من أردفه النبي صلى الله عليه وسلم خلفه فبلغوا ثلاثين نفساً.

(9) قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: تنبيه. هذا من الأحاديث التي أخرجها البخاري في ثلاثة مواضع عن شيخ واحد بسند واحد، وهي قليلة في كتابه جداً ولكنه أضاف إليه في (الاستئذان) موسى بن إسماعيل، وقد تتبع بعض من لقيناه ما أخرجه في موضعين بسند، فبلغ عدتها زيادة على العشرين، وفي بعضها يتصرف في المتن بالاختصار منه. انتهى.

وقد مرّ في لطائف إسناد الحديث التاسع وهو قول جرير رضي الله عنه: ((بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم))، أنه منها ومنها أيضاً حديث حذيفة رضي الله عنه: ((نزلت الأمانة في جذر قلوب الرجال))، الحديث. أورده البخاري في (كتاب الرقاق) وفي (كتاب الفتن) بإسناد واحد مع الاتفاق في المتن أيضاً، وتقدم في المقدمة ما ذكره صاحب (كشف الظنون): أن التي ذكرها البخاري سنداً ومتناً معاداً، ثلاثة وعشرون حديثاً.

 

المبحث الرابع/ شرح الحديث:

(1) هذا الحديث أول حديث أورده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد)، وذلك لاشتمال هذا الحديث بوضوح على بيان حق الله على عباده، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: ((حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً))، وهذا الحق الذي بينه الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه في هذا الحديث، مشتمل على النفي والإثبات الذي اشتملت عليه (لا إله إلا الله)، فإن قوله (أن يعبدوه) إثبات، وقوله (ولا يشركوا به شيئاً) نفي، والمراد بذلك نفى جميع أنواع العبادة عن كل ما سواه، وإثباتها لله وحده لا شريك له، فكما أنه سبحانه وتعالى المنفرد بالخلق والإيجاد والإحياء والإماتة، فيجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له، وهذا النفي والإثبات الذي اشتملت عليه هذه الجملة التي بين بها الرسول الكريم ـ عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ حق الله على عباده، جاء في آيات كثيرة، أورد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه المذكور كثيراً منها قبيل إيراد هذا الحديث ومنها قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ}النحل36، فقوله:{أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ}، إثبات وهو بمعنى: إلا الله، وقوله: {وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ}نفي وهو بمعنى: لا إله، فتحصل من النفي والإثبات معنى ( لا إله إلا الله ) التي هي كلمة الإخلاص، ومنها قوله تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ}الإسراء23 الآية، فهي بمعنى (لا إله إلا الله)، ومنها قوله تعالى:{وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً}النساء36، فجملة الأمر إثبات، وجملة النهي نفي، فهي بمعنى (لا إله إلا الله)، وتنكير (شيئاً) لإفادة عدم الإشراك به أي شيء كان، وأن يخص بالعبادة وحده لا شريك له، ومنها قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئا}الأنعام151 الآية، أي: أن تخصوه بالعبادة وحده دون أن تجعلوا له شريكاً في شيء منها، وختمت هذه الآيات بقوله تعالى: {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}الأنعام153، فقوله: {فَاتَّبِعُوهُ} إثبات،{وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ} نهي مؤداه النفي، فهي بمعنى: (لا إله إلا الله)، أما الآية التي افتتح بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ذلك المؤلَّف العظيم في توحيد الله تعالى فهي قوله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}الذاريات56، وقد اشتملت على بيان الحكمة في خلق الثقلين الجن والإنس، وهي أن يعبدوا الله وحده ويخصوه بجميع أنواع العبادة، ولا يصرفوا لغيره شيئاً منها.

(2) قوله (بينا أنا رديف النبي صلى الله عليه وسلم): قال الحافظ في (الفتح): الردف والرديف: الراكب خلف الراكب بإذنه، وردف كل شيء مؤخره، وأصله الركوب على الردف وهو العجز، ولهذا قيل للراكب الأصلي: ركب صدر الدابة، وردفت الرجل إذا ركبت وراءه، وأردفته إذا أركبته وراءك.

(3) قوله: (ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل): قال الحافظ في (الفتح): الرحل للبعير كالسرج للفرس، وآخرة ـ بالمد وكسر المعجمة بعدها راء ـ هي العود الذي جعل خلف الراكب يستند إليه، وفائدة ذكره المبالغة في شدة قربه ليكون أوقع في نفس سامعه أنه ضبط ما رواه. وقال الحافظ: ووقع في رواية عمرو بن ميمون عن معاذ: ((كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له: عفير))، ووقع عند أحمد من رواية عبد الرحمن بن غنم عن معاذ: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب على حمار يقال له: يعفور رسنه من ليف))، قال: ويمكن الجمع بأن المراد بآخرة الرحل: موضع آخرة الرحل للتصريح هنا بكونه كان على حمار، وإلى ذلك أشار النووي، ومشى ابن الصلاح على أنهما قضيتان. انتهى.

(4) قوله (لبيك): المراد به إجابة بعد إجابة، أو إجابة لازمة. قاله الحافظ ابن حجر في (الفتح). وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: والأظهر أن معناها: إجابة لك بعد إجابة للتأكيد.

(5) قوله (وسعديك): قال النووي: ومعنى سعديك، أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة، وقال ابن هشام في (أوضح المسالك): (وسعديك) بمعنى إسعاداً لك بعد إسعاد. وقال في (باب الإضافة) بعد أن قسم المضاف إلى المضمر إلى قسمين وذكر ما يضاف إلى كل مضمر وهو (وحد) قال: وما يختص بضمير المخاطب وهو مصادر مثناة لفظاً ومعناها: التكرار، وهي لبيك بمعنى إقامة على إجابتك بعد إقامة، وسعديك بمعنى إسعاداً لك بعد إسعاد، ولا تستعمل إلاّ بعد لبيك. انتهى. ثم ذكر ألفاظاً أخرى تختص بالإضافة إلى ضمير المخاطب أيضاً.

وقال الحافظ ابن حجر في شرحه لحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه في (كتاب العلم) من صحيح البخاري قوله (قال: لبيك يا رسول الله وسعديك): اللب ـ بفتح اللام ـ معناه هنا: الإجابة والسعد المساعدة، كأنه قال: لباً لك وإسعاداً لك، ولكنهما ثنيا على معنى التأكيد والتكثير، أي إجابة بعد إجابة، وإسعاداً بعد إسعاد. انتهى.

(6) قوله (هل تدري ما حق الله على العباد؟): قال الحافظ في (الفتح): ((الحق كل موجود متحقق أو ما سيوجد لا محالة، ويقال للكلام الصدق حق، لأن وقوعه متحقق لا تردد فيه، وكذا الحق المستحق على الغير إذا كان لا تردد فيه، والمراد هنا: ما يستحقه الله على عباده مما جعله محتماً عليهم)). قاله ابن التيمي في (التحرير). وقال القرطبي: ((حق الله على عباده هو ما وعدهم به من الثواب وألزمهم إياه بخطابه)).

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه (تيسير العزيز الحميد): قوله (أتدري ما حق الله على العباد): الدراية هي المعرفة، وأخرج السؤال بصيغة الاستفهام ليكون أوقع في النفس وأبلغ في فهم المتعلم، فإن الإنسان إذا سئل عن مسألة لا يعلمها ثم أخبر بها بعد الامتحان بالسؤال عنها، فإن ذلك أدعى لفهمها وحفظها، وهذا من حسن إرشاده وتعليمه صلى الله عليه وسلم.

(7) قوله (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)، قال الحافظ في (الفتح): المراد بالعبادة: عمل الطاعة واجتناب المعاصي، وعطف عليها عدم الشرك لأنه تمام التوحيد، والحكمة في عطفه على العبادة، أن بعض الكفرة كانوا يدعون أنهم يعبدون الله ولكنهم كانوا يعبدون آلهة أخرى فاشترط نفي ذلك، والجملة حالية والتقدير: يعبدونه في حال عدم الإشراك به. قال ابن حبان: عبادة الله: إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح، ولهذا قال في الجواب: فما حق العباد إذا فعلوا ذلك فعبر بالفعل ولم يعبر بالقول.

(8) قوله (هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟) أي: إذا فعلوا حقه تعالى فالضمير يرجع إلى قوله (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً).

(9) قوله (حق العباد على الله أن لا يعذبهم) قال الحافظ في (الفتح): قال القرطبي: ((حق العباد على الله ما وعدهم به من الثواب والجزاء فحق ذلك ووجب بحكم وعده الصدق وقوله الحق الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر ولا الخلف في الوعد)).

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في (تيسير العزيز الحميد): وحق العباد على الله معناه: أنه متحقق لا محالة، لأنه قد وعدهم ذلك جزاء على توحيده، ووعده حق إن الله لا يخلف الميعاد.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (تيسير العزيز الحميد): ((كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق، فمن الناس من يقول لا معنى للاستحقاق إلاّ أنه أخبر بذلك ووعده صدق، ولكن أكثر الناس يثبتون استحقاقاً زائداً على هذا، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة قال تعالى:{وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}الروم47، ولكن أهل السنة يقولون هو الذي كتب على نفسه الرحمة، وأوجب هذا الحق على نفسه لم يوجبه عليه مخلوق، والمعتزلة يدعون أنه أوجب عليه بالقياس على الخلق، وأن العباد هم الذين أطاعوه دون أن يجعلهم مطيعين له، وأنهم يستحقون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب، وغلطوا في ذلك)). انتهى.

(10) من فقه الحديث، وما يستنبط منه:

(1) بيان حق الله على عباده.

(2) بيان حق العباد على الله إذا أدّوا حقه.

(3) جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة.

(4) فضل معاذ بن جبل رضي الله عنه.

(5) تواضعه صلى الله عليه وسلم لركوب الدواب مع الإرداف عليها.

(6) الإرشاد إلى الطريقة المفيدة في التعليم، وهي إخراج السؤال بصيغة الاستفهام ليكون أبلغ في النفس وأوقع في فهم المتعلم.

(7) تكرار السؤال لتأكيد الاهتمام بما يخبر به المعلم.

(8) حسن أدب معاذ بن جبل رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(9) أن على المسؤول إذا سئل عن شيء لا يعلمه، أن يكل العلم إلى عالمه وهو أولى من قوله: لا أدري، لأن قوله (الله أعلم) يفيد ما يفيده لا أدري مع اشتماله على الثناء على الله سبحانه.