بحث عن بحث

الوقفة الأولى :

شرح مفردات الباب:

(من سأل بالله فأعطوه): أي إذا قال: أسألك بالله أو بوجه الله فأعطوه ما سأل .

(من استعاذ بالله فأعيذوه): أي من استجار بالله فأجيروه .

(من دعاكم فأجيبوه): أي من دعاكم إلى طعام ونحوه فأجيبوه .

الوقفة الثانية:

قال المصنف -رحمه الله- : (باب لا يرد من سأل بالله)، وهذا الباب حدده المصنف بـ(لا) بمعنى أنه نهى الإنسان عن عدم الإجابة أو إجابة من سأل بالله عز وجل، وهذا النهي فيه تفصيل بحسب المقول؛ فإذا كان السائل سأل حقاً لـه كأجر مثلاً أو من مالٍ فيه حق لـه يعني يسأل شيئاً من المال لـه حق فيه، مثل شريك يسأل شريكه أو مساهم يسأل المساهم معه، وحقه واضح وثابت فهذا يجب أن يجاب سؤاله وخاصة إذا سأل بالله عز وجل .

أما إذا كان المسئول ليس فيه حق للسائل، فإن أجابه فهذا تكرم منه ويؤجر على ذلك، وإن لم يجبه فليس لـه حق في هذا الأمر .

وقد ورد في الحديث (من سألكم بالله فأعطوه) ، بأن الأمر هنا في الظاهر للوجوب، ولكن يصرف هذا الوجوب إذا كان المسئول ليس عنده حق للسائل، أو كان يتضرر بالإجابة .

الوقفة الثالثة:

إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يعطى من سأل بالله، وهذا من باب تعظيمه لله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا السائل ما سأل بالله عز وجل إلا ليعظمه ... وبالتالي ليعظم حاجته، ولذلك جاء في القصة المشهورة قصة الأبرص والأعمى والأقرع أنه لما أعطاهم حاجتهم ثم تمثل الملك بصورة رجل واحد منهم فكان يقول لكل واحد منهم (أسألك بالذي أعطاك كذا وكذا فهذا السؤال من حيث هو جائز، فإذا سأل الإنسان إنساناً آخر فيجب على الآخر أن يجيب ما لم يكن مانع من موانع الإجابة التي ذكرت في الوقفات السابقة .

الوقفة الرابعة:

قولـه صلى الله عليه وسلم: (ومن استعاذ بالله فأعيذوه) .

والاستعاذة: هي الالتجاء والاعتصام بالله عز وجل، ولذلك أمر الإنسان أن يستعيذ بالله من شر الأشرار ومن الشيطان الرجيم، يستعيذ بالله دائماً وأبداً، ومن استعاذ بالله فأعيذوه.

مثل أن يقول إنسان لآخر: أعوذ بالله منك، فعليه أن يعيذه ويبتعد عنه، بحسب ما طلب بهذه الاستعاذة .

الوقفة الخامسة :

قال صلى الله عليه وسلم: (من دعاكم فأجيبوه) يعني من دعاكم لوليمة فأجيبوه، وفي هذا فوائد:

الأولى: الدعاء للوليمة أنواع، أما أن تكون هذه الوليمة وليمة عرس فذكر أهل العلم أنه يجب إجابة دعاء الوليمة؛ وذلك لأن فيها جبراً للخاطر، وفيها تعاون على البر والتقوى، وزيادة في الأخوة والألفة، والمحبة وفيها مزيد من التضامن وغسل الأدران من القلوب، وفيها إزالة الحقد والحسد، وهي تمر مرات قليلة في العمر، فدعوة الوليمة مجابة إلا إذا كان في هذه الدعوة مانع مثل أن يكون هناك منكرات ولا يستطيع التغيير، والمنكرات كثيرة؛ مثل الإسراف الشديد والتباهي والتفاخر أو فيها مزامير منهي عنها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (شر الطعام طعام الوليمة، يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء)  .

أما إذا كانت الدعوة ليست لوليمة عرس فهذه مستحبة؛ إن شاء أجاب الطلب ولبى الدعوة وحصل على الأجر والثواب، وإن لم يجب فلا حرج في ذلك .

وينبغي للمسلم عند إجابة الدعوات أن يقدم ما كان واجباً إجابته مثل دعوة الوالد ودعوة القريب، وأن يتنبه إلى أن هذه الدعوة ليس فيها منكر، أما إن كان فيها منكر واستطاع الإنكار فيذهب وينكر ويحصل على الأجرين: أجر إجابة الدعوة وأجر إنكار المنكر .

الثانية : إذا دعي لهذه الدعوة عليه أن يستفيد من حضورها.

الثالثة: أن هذه الدعوة قد تكون من غير مسلم، فلا بأس بإجابته إذا كان في إجابته خير كأن يؤلف قلبه ويدعوه لهذا الدين، أو أن يدفع بها شراً أو ضرراً عن الإسلام والمسلمين .

الرابعة : أن لا ترد هذه الدعوة عن واجب أو حق، ولا تزيد في بغضاء، ولا تسبب ضرراً عليه، أو على أولاده أو على أهله وماله، فإذا تسببت بضرر فلا يجب هذه الدعوة .

الوقفة السادسة :

إن المكافأة على المعروف من الوفاء في هذا الدين، ومن نشر المعروف بين الناس، وفيه أن أجر صاحب المعروف يضاعف ويتشجع عندما يكافأ، وكذلك فيها سد منافذ الشيطان فلا يستطيع الشيطان أن يلج إلى قلب هذا الإنسان الذي صنع معروفاً فيتعالى على الآخرين ويصيبه الغرور، بينما أن الله تعالى هو الذي وفقه لعمل هذا المعروف، ولعمل هذا الخير فلأجل أن يكثر يكافأ بعمل المعروف الذي عمله .

وقد لا يستطيع هذا الإنسان الذي عمل لـه المعروف أن يكافئ فدلّه النبي صلى الله عليه وسلم على السبيل فقال: (فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعو لـه)  والدعاء يملكه كل إنسان فيدعو لـه حسب ما يظن الداعي أنه كافأ صانع هذا المعروف .

وإنه لمن الجحود والنكارة وسوء العاقبة للإنسان وعدم التوفيق لـه أن يجحد المعروف، وأن يرد بما هو أسوأ، وهذا يجري عند بعض الناس للأسف الشديد، وهو من قلة التوفيق لهذا الإنسان الذي صنع لـه المعروف .

ولا يعمل هذا العمل إلا شخص ضعيف النفس ضعيف الإيمان ضعيف الخلق لا يخشى الله سبحانه وتعالى ولا يتقيه فيما أعطاه الله سبحانه وتعالى وهيأ لـه .

لذلك أراد الإسلام من أبنائه أن يكونوا إيجابيين في مستوى الإيجابية الكاملة، وصاحب الخير الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى يجب أن يبادر ويعمل المعروف، وجعل على ذلك أجراً عظيماً، فكل معروف صدقة ولو كان قليلاً .

فالله سبحانه وتعالى أعطاه ولم يمنعه ومنع ذلك ابتلاءً للجميع ، كذلك الذي يطلب عملاً من الأعمال فيه  مصلحة لـه من شخص آخر عليه أن يطلبها وأن يضمر في نفسه أنه سيكافئ هذا الشخص، والأيام كما يقولون دول .

وينبغي على صاحب المعروف أن لا ينتظر الرد والمكافأة، بل يضع المعروف في مكانه وسيلقاه يوماً ما إن في الدنيا وإن في الآخرة .

والله سبحانه وتعالى نبه إلى هذا الأمر تنبيهاً عظيماً في كتابه، وجعل هذا من الأعمال الصالحة الكبيرة، والله سبحانه وتعالى يقول : ]إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً[  لا نريد منك أيها المعطي جزاء بعطيتنا لك، ولا نريد منك الشكر على هذا الأمر .

الوقفة السابعة :

من الظواهر التي تزعج المؤمن كثيراً ذاك الطلب من المخلوقين، ويزيد هذا الأسف إذا تعود اللسان على هذا الطلب، ويزيد أيضاً إذا علق بالله عز وجل، أسألك بالله ، بالله ، بالله، وتجد حاجته حاجة قليلة، ربما المسئول أكثر منه حاجة لكنه كان كاتماً لسؤاله وجعله بينه وبين الله، وهذا مما يؤثر في عقيدة المسلم  .

والأمور بلا شك نسبية؛ صاحب المرتب القليل عندما ينظر إلى أعلى ينظر على أنه قليل، لكن عندما ينظر إلى ما هو أدنى يرى على أنه كثير، ولذا يجب أن يتنبه المسلم إلى مراعاة مثل هذا الأمر، فلا يتساهل في جانب من هذه الأمور، وعليه أن يتكل على الله سبحانه وتعالى وسيجد الخير العظيم .

ثم إن هذا المطلوب هو مكتوب لك عند الله سبحانه وتعالى، فلا تلح على المخلوق، فإذا كان طلبك حاصلاً ورزقك حاصلاً فإنه سينالك بإذن الله عز وجل .