بحث عن بحث

الوقفة الثامنة:  أثر الإحسان على الفرد في الدنيا والآخرة (3-4)

كما أن المحسن يتمتع بمحبة الله: قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(1) .

يقول فضيلة الشيخ ابن عثيمين :: «وهي محبة حقيقية على ظاهرها، وليس المراد بها الثواب ولا إرادة الثواب، خلافا للأشاعرة وغيرهم من أهل التحريف«

وقال: «وهل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ فالجواب: أما الإحسان الذي به تمام الواجب فالأمر فيه للوجوب، وأما الإحسان الذي به كمال العمل فالأمر فيه للاستحباب«(2)

إثبات معية الله ﻷ للمحسن: فقد ذكر تعالى في القرآن: أن الله مع المتقين، وكذلك مع المحسنين، فهذا من أعظم الفوائد للعبد، كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(3) ، وقال أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ(4) ، ففيه فضيلة التقوى والإحسان، حيث ينال بها العبد معية الله، ومعلوم إذا كان الله معك ينصرك ويؤيدك.

كما أن المحسن محبوب عند الناس: فإذا أحب الله العبد أحبه جبريل، وأحبه جميع الناس، كما جاء في الحديث عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ الله الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ, فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأرض«(5)

كما أن رحمة الله قريب من المحسن: إن الإحسان يجلب رحمة الله ﻷ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّـهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ(6) .

كما أن المحسن يكون سليم الصدر، وهذا سبب دخول الجنة: فإذا كان الإنسان يحسن مع الله ومع الناس بل مع الحيوانات والجمادات يكون صدره سليمًا من الغل والحسد والكبر لإخوانه، وهو سبب دخول الجنة، كما جاء في الحديث: عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ, فَطَلَعَ رَجُلٌ مِن الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ, فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ ذَلِكَ, فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ المَرَّةِ الْأُولَى, فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا, فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تَبِعَهُ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي؛ فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ الله يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ شَيْئًا, غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ الله عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ, قَالَ عَبْدُ الله: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا, فَلَمَّا مَضَتْ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ, قُلْتُ: يَا عَبْدَ الله إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ, فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ. قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي, فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنْ المُسْلِمِينَ غِشًّا, وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ الله إِيَّاهُ. فَقَالَ عَبْدُ الله: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ, وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ«(7)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [البقرة:195]

(2) تفسير القرآن الكريم للشيخ العثيمين (2/391).

(3) [البقرة:194]

(4) [النحل:128]

(5) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، برقم: (3209).

(6) [الأعراف:56]

(7) مسند أحمد، مسند المكثرين، برقم: (3/166).