بحث عن بحث

الوقفة الثامنة:  أثر الإحسان على الفرد في الدنيا والآخرة (1-4)

إن الإسلام أمر المسلمين بالتعامل بالحسنى في كل شيء؛ لأن له ثمراتٍ ناضجةً، وآثارًا حميدةً، تعود على الفرد في الدنيا والآخرة، منها:

ازدياد إيمان العبد: إن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وأن الإحسان من أعلى مراتب الطاعات، بل هو لبُّ الطاعات، ولذلك قرنه جبريل مع السؤال بالإيمان والإسلام حينما سأل النبي غ؛ كما في حديث جبريل الشهير: عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ. قَالَ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ الله، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ. قَالَ: مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَن أَشْرَاطِهَا؛ إِذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الْآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ، فَقَالَ: رُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ«(1)

فالإحسان سبب زيادة إيمان العبد، بل أعلا مراتب العبودية لله سبحانه وتعالى.

ذوق طعم الإيمان: إن الإحسان مع الخلق، وبالأخص مع عباد الله الصالحين يورث حبهم في الله، بل الإنسان لا يقدم على الإحسان إلا إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، وممتلئًا بحب عباد الله، وهذا سبب ذوق طعم الإيمان، كما جاء في الحديث عَن أَنَسٍ رضي الله عنه، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ الله مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ«(2)

ذوق طعم العبادات: لأنك متى أتيت بالعبادات كأنك ترى الله؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فقد قمت بحق العبادة، وإن للعبادات لذة وحلاوة يجدها من قام بها مراعيًا أركانها وآدابها، وكثير من قصص السلف شاهدة على قولنا، فعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم -يَعْنِي فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ- فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِن المُشْرِكِينَ، فَحَلَفَ أَنْ لَا أَنْتَهِيَ حَتَّى أُهَرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْزِلًا فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا؟ فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِن المُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِن الْأَنْصَارِ. فَقَالَ: كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ. قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ اضْطَجَعَ المُهَاجِرِيُّ وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلي، وَأَتَى الرَّجُلُ فَلَمَّا رَأَى شَخْصَهُ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةٌ لِلْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ حَتَّى رَمَاهُ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ انْتَبَهَ صَاحِبُهُ، فَلَمَّا عَرِفَ أَنَّهُمْ قَدْ نَذِرُوا بِهِ هَرَبَ، وَلَمَّا رَأَى المُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِن الدَّمِ قَالَ: سُبْحَانَ الله! أَلَا أَنْبَهْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَى؟ قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا«(3)

وقال ميمون بن حيان: «ما رأيت مسلم بن يسار ملتفتًا في صلاته قط، خفيفة ولا طويلة، ولقد انهدمت ناحية المسجد ففزع أهل السوق لهدته، وإنه لفي المسجد في صلاة فما التفت«

وجاء في بعض تراجم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «أنه كان إذا كبر للإحرام في صلاته يهابه من حوله لوقاره وخشوعه«

فهذه النماذج المشرقة تدلنا أنهم وجدوا لذة العبادة، وهي لم تحصل لهم إلا بإحسانهم في عباداتهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، برقم: (50).

(2) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، برقم: (43).

(3) سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء من الدم، برقم: (198).