بحث عن بحث

الوقفة السادسة: الإحسان في العمل (1-4)

إن ديننا يحث المسلم على الإحسان في كل شيء، حتى في عمله ووظيفته وصناعته ومهاراته وزراعته.

ومن الإحسان في العمل أن يقوم بالعمل حق قيامه من الإنجاز والإتقان وضبط المواعيد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(1) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه«(2)

يقول الشيخ الجزائري: «وهو- الإحسان- في الأعمال البدنية بإجادة العمل، وإتقان الصنعة، وبتخليص سائر الأعمال من الغش«(3)

ومن الإحسان في الزراعة: احتساب الأجر فيها, فقد جاء في الحديث عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا؛ فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ, أَوْ إِنْسَانٌ, أَوْ بَهِيمَةٌ, إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ«(4)

يقول النووي: «فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث فَضِيلَة الْغَرْس, وَفَضِيلَة الزَّرْع, وَأَنَّ أَجْر فَاعِلِي ذَلِكَ مُسْتَمِرّ مَا دَامَ الْغِرَاس وَالزَّرْع, وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَطْيَب المَكَاسِب وَأَفْضَلهَا، فَقِيلَ: التِّجَارَة, وَقِيلَ: الصَّنْعَة بِالْيَدِ، وَقِيلَ: الزِّرَاعَة. وَهُوَ الصَّحِيح, وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَيْضًا أَنَّ الثَّوَاب وَالْأَجْر فِي الْآخِرَة مُخْتَصّ بِالمُسْلِمِينَ, وَأَنَّ الْإِنْسَان يُثَاب عَلَى مَا سُرِقَ مِنْ مَاله أَوْ أَتْلَفَتْهُ دَابَّة أَوْ طَائِر وَنَحْوهمَا«(5)

وكما نعلم أن الأنصار كانوا يشتغلون بالزراعة, كما يقول الصحابي رافع رضي الله عنه: «كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ حَقْلًا, وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي وَهَذِهِ لَكَ, فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ, فَنَهَاهُم النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم«(6)

وألا يلهو الإنسان بزراعته عن ذكر الله وعن الجهاد؛ لأنه ورد وعيد على صاحبه، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ  قَالَ: وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ الله الذُّلَّ«(7)

يقول ابن حجر: «إِمَّا أَنْ يُحْمَل مَا وَرَدَ مِن الذَّمّ عَلَى عَاقِبَة ذَلِكَ وَمَحَلّه مَا إِذَا اِشْتَغَلَ بِهِ فَضَيَّعَ بِسَبَبِهِ مَا أُمِرَ بِحِفْظِهِ, وَإِمَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى مَا إِذَا لَمْ يُضَيِّع إِلَّا أَنَّهُ جَاوَزَ الْحَدّ فِيهِ. وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ كَلَام أَبِي أُمَامَةَ مَحْمُول عَلَى مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ, أَمَّا مَنْ لَهُ عُمَّال يَعْمَلُونَ لَهُ وَأَدْخَلَ دَاره الْآلَة المَذْكُورَة لِتُحْفَظ لَهُمْ فَلَيْسَ مُرَادًا«(8)

فيفهم مما سبق: أن الاشتغال بالزراعة ليس منهيًا عنه بالعموم- وبالأخص إذا قام الإنسان بزكاتها؛ لأن من أهل الجنة من يشتهي الزرع؛ كما جاء في الحديث عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ, فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ. قَالَ: فَبَذَرَ فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، فَيَقُولُ الله: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ, فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَالله لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ, فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم«(9)

قال ابن حجر: «قَالَ ابْن المُنِير: وَجْهه: أَنَّهُ نُبِّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ أَحَادِيث النَّهْي عَن كِرَاء الْأَرْض إِنَّمَا هِيَ عَلَى التَّنْزِيه لَا عَلَى الْإِيجَاب, لِأَنَّ الْعَادَة فِيمَا يَحْرِص عَلَيْهِ ابْن آدَم أَنَّهُ يُحِبّ اسْتِمْرَار الانْتِفَاع بِهِ، وَبَقَاء حِرْص هَذَا الرَّجُل عَلَى الزَّرْع حَتَّى فِي الْجَنَّة دَلِيل عَلَى أَنَّهُ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ, وَلَوْ كَانَ يَعْتَقِد تَحْرِيم كِرَاء الْأَرْض لَفَطَمَ نَفْسه عَن الْحِرْص عَلَيْهَا حَتَّى لَا يَثْبُت هَذَا الْقَدْر فِي ذِهْنه هَذَا الثُّبُوت«(10)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [المائدة:1]

(2) حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم: (1880).

(3) ينظر: منهاج المسلم للشيخ أبي بكر الجزائري، (ص:152-153) بتصرف.

(4) صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه، برقم: (2320).

(5) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الرابع، (10/ 213).

(6) صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب ما يكره من الشروط في المزارعة، برقم: (2332).

(7) صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، برقم: (2321).

(8) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، (5/5).

(9) صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب كراء الأرض بالذهب والفضة، برقم: (2348).

(10) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، (5/27).