بحث عن بحث

المبحث السابع: الإحسان لغير المسلمين (3-4)

وبالأخص إذا كان له عهد من ولي أمر المسلمين، بل من آحاد المسلمين، كما جاء في الحديث: «المُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ«(1)

وعند أبي داود عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ, يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ, وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ, وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ, يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ, لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِر، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِه«(2)

قال ابن حجر: «وَدَخَلَ فِي قَوْله «أَدْنَاهُمْ» ، أَيْ: أَقَلُّهُمْ. كُلّ وَضِيع بِالنَّصِّ، وَكُلّ شَرِيف بِالْفَحْوَى«(3)

ومن الإحسان إليهم: كف اليد عن مالهم إلا بحق الإسلام؛ فعن المِقْدَامِ بنِ مَعْدِ يكَرِبَ رضي الله عنه، عنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قالَ: «ألاَ لاَ يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلاَ الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلاَ اللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهِدٍ، إلاَّ أنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا فَلَمْ يَقْرُوهُ؛ فَإنَّ لَهُ أنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ«(4)

يدل هذا الحديث على أن اللقطة من مال المعاهد كاللقطة من مال المسلم، وهذا محمول على التقاطها من محل غالب أهله أو كلهم ذميون، وإلا فاللقطة لا تعرف من مال أي إنسان عند التقاطها(5)

كما ورد الأمر بعدم ظلمهم، أو انتقاصهم، أو تكليفهم فوق طاقتهم، أو أخذ شيء منهم من غير طيب نفس؛ فعن صَفْوَانَ بن سُلَيْمٍ عن عِدَّةٍ مِنْ أبْنَاءِ أصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عن آبَائِهِمْ دِنْيَةً، عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قالَ: «ألاَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أوْ انْتَقَصَهُ، أوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أوْ أخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ؛ فَأنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ«(6)

ومن الإحسان إليهم: نصر المظلوم منهم، وبالأخص إذا رفع أمرهم إلى الحاكم، وقد أجمع العلماء على أنه يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين المسلم والذمي إذا ترافعا إليهم(7)

ورد السلام عليهم: لحديث النبي صلى الله عليه وسلم المروي عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ«(8)

قال النووي: «اتفق العلماء على الرد على أهل الكتاب إذا سلموا، لكن لا يقال لهم: وعليكم السلام، بل يقال: (عليكم) فقط، أو (وعليكم)«(9)

وأما الابتداء بالسلام عليهم فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، فعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ تَبْدَأوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلاَمِ، فإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ«(10)

قال النووي: «اختلف العلماء في ابتدائهم بالسلام، والذي عليه أكثر العلماء وعامة السلف تحريم ابتدائهم بالسلام. واحتج الجائزون بعموم الأحاديث وبإفشاء السلام، وهي حجة باطلة لأنه عام مخصوص بهذا الحديث«(11)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن النسائي، كتاب القسامة، باب سقوط القود من المسلم للكافر، برقم: (4749).

(2) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في السرية ترد على أهل العسكر، برقم: (2751).

(3) فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني: (6/ 274).

(4) سنن أبي داود، كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في أكل السباع، برقم: (3804)، وصححه الشيخ الألباني، صحيح سنن أبي داود، برقم: (3229).

(5) سبل السلام شرح بلوغ المرام للصنعاني، (3/ 1259).

(6) سنن أبي داود، كتاب: الخراج، باب: في تعشير أهل الذمة، برقم: (3052)، وصححه الشيخ الألباني، صحيح الجامع الصغير، (1/ 518)، برقم: (2655).

(7) عون المعبود شرح سنن أبي داود، للعظيم آبادي، (12/ 131).

(8) صحيح البخاري، كتاب: الاستئذان، باب: كيف الرد على أهل الذمة، برقم: (6258)، ورواه مسلم، كتاب: السلام، باب النهي عن الابتداء في السلام، برقم: (2163).

(9) شرح النووي لصحيح مسلم،(المجلد الخامس)، (14/ 119).

(10) صحيح مسلم، كتاب: السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب السلام، برقم: (2167).

(11) شرح النووي لصحيح مسلم، (المجلد الخامس)، (14/ 119).