بحث عن بحث

المبحث السادس: الإحسان مع عامة المسلمين (6-9)

وزيادة على ما مضى فهذه بعض طرق الإحسان إلى أخيك المسلم، ويمكن أن نلخصها في النقاط التالية:

من الإحسان مع المسلمين أن يحب لهم ما يحب لنفسه: وهذا من كمال الإيمان، كما جاء في الحديث عَن أَنَسٍ رضي الله عنه، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ«(1)

قال النووي: «قَالَ الْعُلَمَاء رَحِمَهُم الله: مَعْنَاهُ لَا يُؤْمِن الْإِيمَان التَّامّ, وَإِلَّا فَأَصْلُ الْإِيمَان يَحْصُل لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَة. وَالمُرَاد يُحِبّ لِأَخِيهِ مِن الطَّاعَات وَالْأَشْيَاء المُبَاحَة«

قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح: «وَهَذَا قَدْ يُعَدُّ مِن الصَّعْب المُمْتَنِع, وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ إِذْ مَعْنَاهُ: لَا يَكْمُل إِيمَان أَحَدكُمْ حَتَّى يُحِبّ لِأَخِيهِ فِي الْإِسْلَام مِثْل مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ, وَالْقِيَام بِذَلِكَ يَحْصُل بِأَنْ يُحِبّ لَهُ حُصُول مِثْل ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ لَا يُزَاحِمهُ فِيهَا, بِحَيْثُ لَا تَنْقُص النِّعْمَة عَلَى أَخِيهِ شَيْئًا مِن النِّعْمَة عَلَيْهِ، وَذَلِكَ سَهْل عَلَى الْقَلْب السَّلِيم, إِنَّمَا يَعْسُرُ عَلَى الْقَلْب الدَّغِل. عَافَانَا الله وَإِخْوَانَنَا أَجْمَعِينَ. وَالله أَعْلَم«(2)

وهو من الحقوق الستة للمسلم؛ كما جاء في الحديث عن عَلِيٍ رضي الله عنه قَالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ سِتٌ بِالمَعْرُوفِ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُجيِبُهُ إذَا دَعَاهُ، وَيُشَمِّتُهُ إذَا عَطَسَ, وَيَعُودُهُ إذَا مَرِضَ، وَيَتَّبِعُ جَنَازَتَهُ إذَا مَاتَ، وَيُحِبُّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ«(3)

كما أنه شرط لتحقيق الإيمان الكامل؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ«(4)

وفي رواية عَنْه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يُوْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتّى يُحِبَّ لِلنّاسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَحَتَّى يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلا لله عَزَّ وَجَلَّ«(5)

قال ابن حجر: «فإن قيل: فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمنًا كاملًا وإن لم يأت ببقية الأركان. أجيب: بأن هذا ورد مورد المبالغة، أو يستفاد من قوله: «لأخيه المسلم»، ملاحظة بقية صفات المسلم، وقد صرح ابن حبان من رواية ابن أبي عدي عن حسين المعلم بالمراد، ولفظه: «لَا يَبْلُغُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الخَيْرِ»(6)، ومعنى الحقيقة هنا الكمال، ضرورة أن من لم يتصف بهذه الصفة لا يكون كافرًا، وأن هذه الخصلة من شعب الإيمان، وهي داخلة في التواضع(7)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، برقم: (13).

(2) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الأول، (2/ 16-17).

(3) سنن الترمذي، كتاب: الاستئذان، باب: ما جاء في تشميت العاطس، برقم:(2736)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حسنٌ.

(4) صحيح البخاري، كتاب: الإيمان، باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، برقم: (13)، ورواه مسلم، كتاب: الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، برقم: (45).

(5) المسند للإمام أحمد (3/272).

(6) صحيح ابن حبان، كتاب: الإيمان، باب صفات المؤمنين، برقم:(235). وصححه المحقق شعيب الأرنؤوط.

(7) فتح الباري شرح صحيح البخاري، (1/ 82).