بحث عن بحث

المبحث السادس: الإحسان مع عامة المسلمين (2-9)

وعن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ. أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإبْرَارِ الْقَسَمِ، أَوِ المُقْسِمِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفْشَاءِ السَّلاَمِ«(1)

هذه الأحاديث تبين بعض حقوق المسلم على المسلم، كما أن هناك حقوقًا ذكرت في أحاديث أخرى، فيحسن بنا أن نوضح هذه الحقوق بشيء من الإيجاز غير المخل؛ لأنها من أحسن طرق الإحسان إلى المسلم، فإليكموها:

1 ـــ إلقاء السلام ورده:

وقد كان لهذا الحق عناية من الرسول صلى الله عليه وسلم فبين حكمه، ورغب فيه في أحاديث كثيرة، وكان صلى الله عليه وسلم يسلم على الصبيان والشبان والشيوخ على حد سواء, وحتى المجالس التي فيها أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود وغيرهم كان يسلم عليهم؛ فعَن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ب أَخْبَرَهُ: «أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، قَالَ: حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ الله بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ الله ابْنُ أُبَيٍّ، فَإِذَا فِي المَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِن المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ وَالمُسْلِمِينَ، وَفِي المَجْلِسِ عَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتْ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ عَبْدُ الله بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الله، وَقَرَأَ عَلَيْهِم الْقُرْآنَ»(2). الحديث.

وأما التسليم على الصبيان فقد رواه أَنَس رضي الله عنه، فقَالَ: مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن صبيان فقال: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا صِبْيَانُ«(3)

وعن أنس رضي الله عنه: «أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يَزُورُ الأنْصَارَ، وَيُسَلِّمُ عَلَى صِبْيَانِهِمْ، وَيَمْسَحُ رُؤُوسَهُمْ«(4)

قال ابن بطال: «وفـيه تدريب لهم على تعليم السنن، ورياضة لهم على الآداب الشرعية ليبلغوا حد التكليف وهم متأدبون بأدب الإسلام«(5)

وأما رد السلام على الصبي: «ولو سلم الصبي على رجل لزم الرجل رد السلام. هذا هو الصواب الذي أطبق عليه الجمهور«(6)

والأفضل أن يرد السلام على أكمل وجه؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا(7) .

وكلما زاد الإنسان بألفاظ السلام يكون أعظم أجرًا؛ فعن عِمْرَانَ بنَ حُصَيْنٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النبيِّ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، قال: فَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «عَشْرٌ»، ثم جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «عِشْرُونَ»، ثمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ثَلاَثُونَ«(8)

قال النووي: «ابتداء السلام سُنَّة مستحبة ليس بواجب، وهو سُنَّة على الكفاية، فإن كان المسلِّم جماعة، كفى عنهم تسليم واحد منهم، ولو سلَّموا كلُّهم كان أفضل«(9)

وأولى الناس بالله من بدأهم بالسلام؛ فعَنْ أَبِي أُمَامَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالله مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ«(10)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب: النكاح، باب: حق إجابة الوليمة، برقم:(5175)، ورواه مسلم، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب، برقم:(2066).

(2) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: [ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب]، برقم: (4566).

(3) المسند للإمام أحمد (3/183).

(4) سنن النسائي الكبرى، كتاب: المناقب، باب: أبناء الأنصار رضي الله عنهم، برقم:(8291)، وابن حبان في صحيحه، كتاب: البر والإحسان، باب: الرحمة، برقم:(459).

(5) فتح الباري شرح صحيح البخاري، للعسقلاني، (9/ 27).

(6) شرح النووي لصحيح مسلم، (المجلد الخامس) (14/ 123).

(7) [النساء:86]

(8) جامع الترمذي، كتاب: الاستئذان والآداب، باب: ما جاء في ذكر فضل السلام، برقم: (2689).

(9) كتاب الأذكار للنووي، (1/ 246).

(10) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب فضل من بدأ السلام برقم: (5197).