بحث عن بحث

المبحث الخامس: الإحسان إلى الجيران (3-4)

وقد بين النبي غ أن إيمان العبد لا يكون إيمانًا كاملًا حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه، فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ، أَوْ قَالَ: لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ«(1)

وأن من يحسن إلى جاره فهو من خيار الناس؛ فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ الله خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ, وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ الله خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ«(2)

ومن السعادة أن تجد جارًا صالحًا؛ فعَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مِنْ سَعَادَةِ المَرْءِ: الجَارُ الصَّالِحُ، وَالمَرْكَبُ الهَنِيءُ, وَالمَسْكَنُ الْوَاسِعُ«(3)

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من جار السوء فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول«(4)

وإيذاء الجار والخيانة في أهله أو ماله يزداد إثمه؛ فعن الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَدِ  يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِهِ: «مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟ قَالُوا: حَرَّمَهُ الله وَرَسُولُهُ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِهِ: لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرَةِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ. قَالَ: فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟ قَالُوا: حَرَّمَهَا الله وَرَسُولُهُ فَهِيَ حَرَامٌ. قَالَ: لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ«(5)

وإِنَّ من الإحسان إلى الْجَار: أَنْ يُعَلِّمهُ مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ، كما في قصة عمر رضي الله عنه حين سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتزل نساءه، وفيه: «وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِن الْأَنصَارِ إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالخَبَرِ, وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالخَبَرِ, وَنَحْنُ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا، فَقَدْ امْتَلَأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ, فَإِذَا صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ الْبَابَ فَقَالَ: افْتَحْ افْتَحْ. فَقُلْتُ: جَاءَ الْغَسَّانِيُّ؟ فَقَالَ: بَلْ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ: اعْتَزَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَزْوَاجَهُ. فَقُلْتُ: رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ«(6)

يقول النووي: «فِي هَذَا اسْتِحْبَاب حُضُور مَجَالِس الْعِلْم، وَاسْتِحْبَاب التَّنَاوُب فِي حُضُور الْعِلْم إِذَا لَمْ يَتَيَسَّر لِكُلِّ وَاحِد الْحُضُور بِنَفْسِهِ«(7)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب..، برقم: (45).

(2) جامع الترمذي، كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في حق الجوار، برقم: (1944) و قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

(3) مسند أحمد، مسند المكيين، برقم: (3/407). وقال المنذري: رواته رواة الصحيح. (ينظر: الترغيب والترهيب للمنذري 5/ 45).

(4) رواه ابن حبان في صحيحه، (ينظر: الترغيب والترهيب للمنذري 5/ 38).

(5) مسند أحمد (6/8). و قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: «رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ»، ينظر:(الترغيب والترهيب للمنذري 5/ 35).

(6) صحيح البخاري، كتاب: تفسير القرآن، باب: تبتغي مرضاة أزواجك، برقم: (4913).

(7) شرح صحيح مسلم للنووي (المجلد الرابع) (10/ 86).