بحث عن بحث

المبحث الخامس: الإحسان إلى الجيران (1-4)

إن من حقوق العباد على الإنسان حق جيرانه، وقد أمر الله تعالى بحفظه، والقيام بحقه، والوصاية برعي ذمته، وإيصال النفع إليه، ودفع الضرر عنه في مواضع عديدة من كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّـهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا(1) ، فقد أكد تعالى ذكر الجار بعد ذكر الوالدين والأقربين.

وفي الحديث: عَائِشَة رضي الله عنه، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  قَالَ: «مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ«(2)

قال ابن حجر في الفتح: «أَيْ: يَأْمُر عَن الله بِتَوْرِيثِ الْجَار مِنْ جَاره«(3)

والجار هو من يجاورك، واختلف الناس في حد الجيرة، حتى أوصله البعض إلى أربعين دارًا من كل جهة، ولكن مما لا شك فيه أنه يشرع الإحسان إلى كل أحد من المسلمين مع مراعاة الأقرب فالأقرب، وَاسْم الْجَار يَشْمَل المُسْلِم وَالْكَافِر، وَالْعَابِد وَالْفَاسِق، وَالصَّدِيق وَالْعَدُوّ، وَالْغَرِيب وَالْبَلَدِيّ، وَالنَّافِع وَالضَّارّ، وَالْقَرِيب وَالْأَجْنَبِيّ، وَالْأَقْرَب دَارًا وَالْأَبعَد, وَلَهُ مَرَاتِب بَعْضهَا أَعْلَى مِنْ بَعْض, فَأَعْلَاهَا مَن اِجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَات الْأُوَل كُلّهَا، ثُمَّ أَكْثَرهَا، وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى الْوَاحِد, وَعَكْسه مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَات الْأُخْرَى كَذَلِكَ, فَيُعْطِي كُلّ واحد حَقّه بِحَسَبِ حَاله, وَقَدْ تَتَعَارَض صِفَتَانِ فَأَكْثَر فَيُرَجِّح أَوْ يُسَاوِي, وقد قيل: إن الْجِيرَان ثَلَاثَة: جَار لَهُ حَقّ. وَهُوَ المُشْرِك لَهُ حَقّ الْجِوَار, وَجَار لَهُ حَقَّانِ. وَهُوَ المُسْلِم لَهُ حَقّ الْجِوَار وَحَقّ الْإِسْلَام, وَجَار لَهُ ثَلَاثَة حُقُوق: مُسْلِم لَهُ رَحِم؛ لَهُ حَقّ الْجِوَار وَالْإِسْلَام وَالرَّحِم«(4)

وإن الإحسان إلى الجار ومراعاة حقوقه من المكرمات, ومن الخصال الكريمة، والآداب الأصيلة، والخلق الحسن، حتى كان أهل الجاهلية يراعون حقوق الجار، ويحترمون شخصيته، ويحفظون ما يتعلق به، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم  أمته على القيام بحقوقه، والإحسان إليه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ, وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ, وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ«(5)

يقول الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة مبيِّنًا حق الجار وطرق الإحسان إليه: «حِفْظ الْجَار مِنْ كَمَالِ الْإِيمَان, وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يُحَافِظُونَ عَلَيْهِ, وَيَحْصُل امْتِثَال الْوَصِيَّة بِهِ بِإِيصَالِ ضُرُوب الْإِحْسَان إِلَيْهِ بِحَسَبِ الطَّاقَة كَالْهَدِيَّةِ, وَالسَّلَام, وَطَلَاقَة الْوَجْه عِنْدَ لِقَائِهِ, وَتَفَقُّد حَاله, وَمُعَاوَنَته فِيمَا يَحْتَاج إِلَيْهِ إِلَى غَيْر ذَلِكَ. وَكَفّ أَسْبَاب الْأَذَى عَنْهُ عَلَى اخْتِلَاف أَنْوَاعه حِسِّيَّة كَانَتْ أَوْ مَعْنَوِيَّة. وَقَدْ نَفَى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِيمَان عَمَّنْ لَمْ يَأْمَن جَاره بَوَائِقه، كَمَا فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيه, وَهِيَ مُبَالَغَة تُنْبِئ عَنْ تَعْظِيم حَقّ الْجَار، وَأَنَّ إِضْرَاره مِن الْكَبَائِر. قَالَ: وَيَفْتَرِق الْحَال فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَارِ الصَّالِح وَغَيْر الصَّالِح. وَاَلَّذِي يَشْمَل الْجَمِيع إِرَادَة الْخَيْر لَهُ, وَمَوْعِظَته بِالْحُسْنَى, وَالدُّعَاء لَهُ بِالْهِدَايَةِ, وَتَرْك الْإِضْرَار به إِلَّا فِي المَوْضِع الَّذِي يَجِب فِيهِ الْإِضْرَار لَهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْل، وَاَلَّذِي يَخُصّ الصَّالِح هُوَ جَمِيع مَا تَقَدَّمَ, وَغَيْر الصَّالِح كَفّه عَنْ الَّذِي يَرْتَكِبهُ بِالْحُسْنَى عَلَى حَسَب مَرَاتِب الْأَمْر بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن المُنْكَر, وَيَعِظ الْكَافِر بِعَرْضِ الْإِسْلَام عَلَيْهِ، وَيُبَيِّن مَحَاسِنه، وَالتَّرْغِيب فِيهِ بِرِفْقٍ, وَيَعِظ الْفَاسِق بِمَا يُنَاسِبهُ بِالرِّفْقِ أَيْضًا، وَيَسْتُر عَلَيْهِ زَلته عَن غَيْره, وَيَنْهَاهُ بِرِفْقٍ, فَإِنْ أَفَادَ فَبِهِ وَإِلَّا فَيَهْجُرهُ قَاصِدًا تَأْدِيبه عَلَى ذَلِكَ مَعَ إِعْلَامه بِالسَّبَبِ لِيَكُفّ«(6)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [النساء:36]

(2) جامع الترمذي، كتاب البر والصلة والآداب، باب ما جاء في حق الجوار، برقم: (1943).

(3) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، (3/128).

(4) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين، برقم: (2586).

(5) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، برقم: (481).

(6) صحيح مسلم، كتاب السلام، باب: من حق المسلم على المسلم رد السلام، برقم: (2162).