بحث عن بحث

المبحث الرابع: الإحسان مع الأرحام (5-5)

كما أن عقوبة قطيعة الرحم معجلة لصاحبها في الدنيا؛ فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِن ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ الله لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ؛ مِنْ الْبَغْيِ, وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ». قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(1)

كما أن قاطع الرحم لا يدخل الجنة، فعَن ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: إِنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ ا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ«(2)

قال ابن حجر: «قَوْله: «لَا يَدْخُل الجَنَّة قَاطِع» قَالَ سُفْيَان: يَعْنِي قَاطِع رَحِم«

وإن أعمال قاطع رحم لا تقبل عند الله حينما تعرض كل خميس؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ؛ فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ«(3)

وفِي «الْأَدَب المُفْرَد» مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه رَفَعَهُ: «إِنَّ أَعْمَال بَنِي آدَم تُعْرَض كُلّ عَشِيَّة خَمِيس لَيْلَة جُمُعَة, فَلَا يُقْبَل عَمَل قَاطِع رَحِم»، وَلِلطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث ابْن مَسْعُود رضي الله عنه: «إِنَّ أَبْوَاب السَّمَاء مُغْلَقَة دُون قَاطِع الرَّحِم»، وَفِي «الْأَدَب المُفْرَد» مِنْ حَدِيث ابْن أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه رَفَعَهُ: «إِنَّ الرَّحْمَة لَا تَنْزِل عَلَى قَوْم فِيهِمْ قَاطِع الرَّحِم» وَذَكَرَ الطِّيبِيُّ: أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِالْقَوْمِ الَّذِينَ يُسَاعِدُونَهُ عَلَى قَطِيعَة الرَّحِم وَلَا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ, وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِالرَّحْمَةِ المَطَر، وَأَنَّهُ يُحْبَس عَن النَّاس عُمُومًا بِشُؤْمِ التَّقَاطُع(4)

وإن من الإحسان إلى الأرحام: استمرار الوصل إليهم وإن قطعوه؛ لأن بعض الناس لا يصل أقاربه إلا إذا وصلوه، وهذا في الحقيقة ليس بصلة بل هو مكافأة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ، وَلَكِن الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا«(5)

يقول ابن حجر: «وَقَالَ شَيْخنَا فِي (شَرْح التِّرْمِذِيّ): المُرَاد بِالْوَاصِلِ فِي هَذَا الْحَدِيث الْكَامِل؛ فَإِنَّ فِي المُكَافَأَة نَوْع صِلَة, بِخِلَافِ مَنْ إِذَا وَصَلَهُ قَرِيبه لَمْ يُكَافِئهُ فَإِنَّ فِيهِ قَطْعًا بِإِعْرَاضِهِ عَنْ ذَلِكَ, وَهُوَ مِنْ قَبِيل «لَيْسَ الشَّدِيد بِالصُّرْعَةِ, وَلَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَة الْعَرَض» اِنْتَهَى. وَأَقُول: لَا يَلْزَم مِنْ نَفْي الْوَصْل ثُبُوت الْقَطْع، فَهُمْ ثَلَاث دَرَجَات: وَاصِل وَمُكَافِئ وَقَاطِع، فَالْوَاصِل مَنْ يَتَفَضَّل وَلَا يُتَفَضَّل عَلَيْهِ, وَالمُكَافِئ الَّذِي لَا يَزِيد فِي الْإِعْطَاء عَلَى مَا يَأْخُذ, وَالْقَاطِع الَّذِي يُتَفَضَّل عَلَيْهِ وَلَا يَتَفَضَّل. وَكَمَا تَقَع المُكَافَأَة بِالصِّلَةِ مِن الْجَانِبَيْنِ كَذَلِكَ يَقَع بِالمُقَاطَعَةِ مِن الْجَانِبَيْنِ, فَمَنْ بَدَأَ حِينَئِذٍ فَهُوَ الْوَاصِل, فَإِنْ جُوزِيَ سُمِّيَ مَنْ جَازَاهُ مُكَافِئًا, وَالله أَعْلَم«(6)

ولذلك أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على من يبادر إلى وصل أرحامه وإن قطعوه؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «يَا رَسُولَ الله! إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي, وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ, وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُم المَلَّ, وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِن الله ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ«(7)

يقول النووي: «وَمَعْنَاهُ: كَأَنَّمَا تُطْعِمهُمْ الرَّمَاد الْحَار،ّ وَهُوَ تَشْبِيه لِمَا يَلْحَقهُمْ مِن الْأَلَم بِمَا يَلْحَق آكِل الرَّمَاد الْحَارّ مِن الْأَلَم, وَلَا شَيْء عَلَى هَذَا المُحْسِن، بَلْ يَنَالهُم الْإِثْم الْعَظِيم فِي قَطِيعَته, وَإِدْخَالهم الْأَذَى عَلَيْهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّك بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ تُخْزِيهِمْ وَتُحَقِّرهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ لِكَثْرَةِ إِحْسَانك وَقَبِيح فِعْلهمْ مِن الْخِزْي وَالْحَقَارَة عِنْد أَنْفُسهمْ، كَمَنْ يُسَفّ المَلّ. وَقِيلَ: ذَلِكَ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ مِنْ إِحْسَانك كَالمَلِّ يُحَرِّق أَحْشَاءَهُمْ. وَالله أَعْلَم«(8)

كما يفهم من الحديث السابق أن صلة الأرحام سبب تأييد الملائكة، فليبادر الإنسان إلى الإحسان إلى أرحامه بكل ما يستطيع من الوسائل، حتى ينال ثواب الدنيا والآخرة، ويسلم من العقاب الدنيوي والأخروي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جامع الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب منه، برقم: (2551).

(2) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب إثم القاطع، برقم: (5984).

 (3) مسند أحمد (2/483)، وقال المنذري: «رواته ثقات», ينظر: (الترغيب والترهيب للمنذري 5/27).

(4) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، (10/415).

(5) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب: ليس الواصل بالمكافئ، برقم: (5991).

(6) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، (10/423-424).

(7) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها، برقم: (2558)

(8) شرح صحيح مسلم للنووي، (4/1982).