بحث عن بحث

المبحث الرابع: الإحسان مع الأرحام (1-5)

لقد جعل الله الناس شعوبا وقبائل للتعارف فيما بينهم، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(1)  فالروابط التي تجمع الناس كثيرة ومتنوعة، ولكن من أهمها رابطة الوالدين ثم الرحم، وهم كما يقول فضيلة الشيخ ابن عثيمين :: «الأرحام والأنساب هم الأقارب، وليسوا -كما يفهم البعض- أقارب الزوج أو الزوجة؛ لأنهم أصهار، والأرحام والأنساب هم أقارب الإنسان نفسه كأمه وأبيه وابنه وبنته، وكل من كان بينه وبينه صلة من قبل أبيه أو من قبل أمه، أو من قبل ابنه أو من قبل ابنته«(2)

ومن نعم الله تعالى على الإنسان أن جعل له الأرحام الذين يرتاح بلقائهم، ويهرع إليهم عند المصائب والمحن، ويستأنس بهم عند الوحشة والخوف، ويستعين بهم عند الملمات والبليات، وحقهم عظيم، فقد جعل الله ذلك في المرتبة الثالثة بعد ذكر حق الله المتضمن لحقه وحق رسوله، وحق الوالدين، قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّـهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ(3) .

وهو من الميثاق الذي أخذ الله من بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّـهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا(4) .

وقد ذكره الله تعالى مع الأمر بالعدل والإحسان، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(5).

وقال تعالى أيضًا: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ(6) .

وكما أمر أولي الفضل أن ينفقوا على أقاربهم، فقال تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(7) .

وكذلك وردت نصوص كثيرة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على الحث على صلة الأرحام, فمنها ما روى أبو أيوب الْأَنْصَارِيُّ رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «يَا رَسُولَ الله! أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ؟ فَقَالَ الْقَوْمُ: مَا لَهُ مَا لَهُ. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَرَبٌ مَا لَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: تَعْبُدُ الله لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، ذَرْهَا، قَالَ: كَأَنَّهُ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ«(8)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خَلَقَ الله الخَلْقَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتْ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ, فَقَالَ لَهُ: مَهْ ؟ قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِن الْقَطِيعَةِ. قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ, وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ. قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَذَاكِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ(9) «(10)

وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «قَالَ الله: أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِيَ الرَّحِمُ, شَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِن اسْمِي, مَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ, وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ«(11)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الحجرات:13]

(2) ينظر: الضياء اللامع للعثيمين (2/505) بتصرف.

(3) [النساء: 36]

(4) [البقرة:83]

(5) [النحل:90]

(6) [الإسراء:26]

(7) [النور:22]

(8) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب فضل صلة الرحم، برقم: (5983).

(9) [محمد:22]

(10) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب (وتقطعوا أرحامكم)، برقم: (4832).

(11) سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم، برقم: (1694).