بحث عن بحث

المبحث الثالث: الإحسان إلى الأولاد (14-15)

      الألعاب الهادفة:

لا شك أن اللعب طبيعة فطرية في نفس الطفل، وللألعاب الهادفة أهمية كبيرة في بناء الجسم وتنمية الذكاء، يقول الغزالي: وينبغي أن يؤذن له -للطفل- بعد الفراغ من المكتب أن يلعب لعبًا جميلًا يستفرغ إليه تعب الكتّاب بحيث لا يتعب في اللعب، فإن منعَ الصبي من اللعب وإرهاقه بالتعليم دائمًا يميت القلب ويبطل ذكاءه، وينغص العيش عليه حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسًا(1)

والأب الحريص على أولاده يسعى لإيجاد ألعاب مفيدة مناسبة لعمر الطفل وجنسه، فالأولاد الذكور عادةً يميلون إلى ألعاب تقوي أجسامهم، وتظهر رجولتهم المبكرة، أما البنات فميلهن إلى ألعاب خفيفة أكثر من الميل إلى ألعاب القوى مثل الدمى والعرائس وألعاب أدوات البيت والمطبخ والأرجوحة. فعَنْ عَائِشَةَ ل قَالَتْ: «قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ فَهَبَّتْ رِيحٌ، فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ قَالَتْ: بَنَاتِي، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟ قَالَتْ: فَرَسٌ قَالَ: وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ قَالَتْ: جَنَاحَانِ قَالَ: فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ»! قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ، قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ«(2)

وعنها أيضًا: أَنَّهَا كَانَتْ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: «وَكَانَتْ تَأْتِينِي صَوَاحِبِي فَكُنَّ يَنْقَمِعْنَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ. وفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فِي بَيْتِهِ وَهُنَّ اللُّعَبُ«(3)

قال ابن حجر :: «وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى جَوَاز اتِّخَاذ صُوَر الْبَنَات وَاللَّعِب مِنْ أَجْل لَعِب الْبَنَات بِهِنَّ, وَخُصَّ ذَلِكَ مِنْ عُمُوم النَّهْي عَن اتِّخَاد الصُّوَر وَبِهِ جَزَمَ عِيَاض وَنَقَلَهُ عَن الْجُمْهُور, وَأَنَّهُمْ أَجَازُوا بَيْع اللَّعِب لِلْبَنَاتِ لِتَدْرِيبِهِنَّ مِنْ صِغَرهنَّ عَلَى أَمْر بُيُوتهنَّ وَأَوْلادهنَّ. قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخ, وَإِلَيْهِ مَالَ ابْن بَطَّال«

قال الشيخ ابن عثيمين: «أما الذي لا يوجد له تخطيط كامل وإنما وجد فيه شيء من الأجزاء والرأس ولكن لم تتبين فيه الخلقة فهذا لا شك في جوازه، وأنه من جنس البنات اللاتي كانت عائشة رضي الله عنها تلعب بهن، وأما إذا كان كامل الخلقة وكأنما تشاهد إنسانًا، ولاسيما إن كان له حركة أو صوت؛ فإن في نفسي من جواز هذه شيئُا؛ لأنه يضاهي خلق الله تمامًا، والظاهر أن اللعب التي كانت عائشة تلعب بهن ليس على هذا الوصف، فاجتنابها أولى«

ويكون لعب الفتى بما يعوده على الرجولة والشجاعة، وتحمل الصعاب، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «علموا أولادكم السباحة والرماية، ومروهم فليثبوا على ظهور الخيل وثبًا«

وقد نادى علماء التربية الحديثة بضرورة اللعب للأطفال، وبينوا أنه سبب في تعلم الطفل وتفتح قدراته العقلية، وأن الطفل الذي لا يتحرك ولا يلعب يعتبر طفلًا شاذًّا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إحياء علوم الدين للغزالي، الجزء الثالث، (ص:71).

(2) رواه أبو داود في الأدب، باب في اللعب بالبنات، برقم: (4932).

(3) رواه البخاري في الأدب، باب الانبساط إلى الناس، برقم: (6130) ومسلم في فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة ل، برقم: (2440).