بحث عن بحث

المبحث الثالث: الإحسان إلى الأولاد (6-15)

وكان يمازح أولاد الصحابة، روى البخاري أيضًا في صحيحه عن أَبي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه يَقُولُ: «إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخٍ لِي صَغِيرٍ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» وفي لفظ آخر للبخاري ومسلم: «كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: كَانَ فَطِيمًا، قَالَ: فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَرَآهُ قَالَ: أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ قَالَ: فَكَانَ يَلْعَبُ بِهِ«(1)

قال النووي :: وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا:

o      جَوَاز تَكْنِيَة مَنْ لَمْ يُولَد لَهُ, وَتَكْنِيَة الطِّفْل، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَذِبًا.

o      وَجَوَاز الْمِزَاح فِيمَا لَيْسَ إِثْمًا.

o      وَجَوَاز تَصْغِير بَعْض المُسَمَّيَات.

o      وَجَوَاز لَعِب الصَّبِيّ بِالْعُصْفُورِ, وَتَمْكِين الْوَلِيّ إِيَّاهُ مِنْ ذَلِكَ.

o      وَجَوَاز السَّجْع بِالْكَلامِ الْحَسَن بِلا كُلْفَة, وَمُلاطَفَة الصِّبْيَان وَتَأْنِيسهمْ.

o      وَبَيَان مَا كَانَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ مِنْ حُسْن الْخُلُق، وَكَرَم الشَّمَائِل وَالتَّوَاضُع, وَزِيَارَة الأَهْل؛ لأَنَّ أُمّ سُلَيْمٍ وَالِدَة أَبِي عُمَيْر هِيَ مِنْ مَحَارِمه صلى الله عليه وسلم«(2)

وروى أبو داود والترمذي وأحمد، عن أَبي أُسَامَةَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: رُبَّمَا قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَا ذَا الأُذُنَيْنِ» قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: يَعْنِي يُمَازِحُهُ»(3). وهذا من جملة مداعباته صلى الله عليه وسلم وحسن أخلاقه.

وربما مجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه أحد الأطفال مداعبةً له، كما فعل ذلك مع محمود بن الربيع، وهذا الصحابي الصغير يتذكر عمل الرسول صلى الله عليه وسلم طيلة حياته لما أثر هذا الفعل في نفسه، يقول رضي الله عنه: «عَقَلْتُ مِن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ«(4)

وروى أبو داود عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ, فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ, فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ قَالَتْ: بَنَاتِي. وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟ قَالَتْ: فَرَسٌ. قَالَ: وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ قَالَتْ: جَنَاحَانِ. قَالَ: فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ!؟ قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ«(5)

وفي حديث آخر من مداعبته صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها، وتأكيدها ل على هذا المعنى مع الجارية الحديثة السن: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَسْأَمُ؛ فَاقْدُرُوا قَدْرَ الجَارِيَةِ الحَدِيثَةِ السِّنِّ الحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ«(6)

قال النووي :: «وَفِي هَذَا الْحَدِيث بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مِن الرَّأْفَة وَالرَّحْمَة، وَحُسْن الْخُلُق، وَالمُعَاشَرَة بِالمَعْرُوفِ مَعَ الأَهْل وَالأَزْوَاج وَغَيْرهمْ«(7)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري في الأدب، باب الانبساط إلى الناس، برقم: (6129), وفي باب الكنية للصبي وقبل أن يولد للرجل, برقم:(6203), ومسلم في الآداب، باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته، برقم: (2150).

(2) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الخامس، (14/123-124).

(3) رواه أبو داود في الأدب، باب ما جاز في المزاح، برقم: (5002) والترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في المزاح, برقم: (1992), وأحمد في باقي مسند المكثرين (3/117).

(4) رواه البخاري في العلم، باب متى يصح سماع الصغير، برقم: (77)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة لعذر، برقم: (33).

(5) رواه أبو داود في الأدب، باب في اللعب بالبنات، برقم: (4932).

(6) رواه البخاري في النكاح، باب حسن المعاشرة مع الأهل، برقم: (5190) ومسلم في صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه، في أيام العيد، برقم: (892).

(7) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الثاني، (6/184).