بحث عن بحث

المبحث الثالث: الإحسان إلى الأولاد (5-15)

3-ومن الإحسان إليهم: تهيئة الجو المناسب لنمو قدراتهم ومواهبهم بطريق طبيعي، فلِيسودَ البيتَ مبدأُ الاحترام المتبادل: الصغير يحترم الكبير، والكبير يعطف على الصغير. فالمودة والصفاء الذي هو سر سعادة المرء في بيته لا يتأتى إلا بالاحترام المتبادل، كل يحترم رأي الآخر، ويبدي حبه للآخر بأجمل أسلوب، ويعتذر بأحسن الأعذار إذا أخطأ، وأيضًا الصغير يحترم الكبير ويطيعه في معروف، والكبير يرحم الصغير ويعطف عليه، ويقضي حاجته، ويساعده في التعليم والتربية، في الحديث عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا، فَلَيْسَ مِنَّا»(1). وفي رواية: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا, وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا«(2)

ومن احترام الصغير للكبير: طاعتهم في معروف، والقيام بخدمتهم، وعدم رفع الصوت عليهم، ومناداتهم بما يحبون، وتكريمهم كما يليق بمرتبتهم، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على هذا بقوله: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ الله: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ المُقْسِطِ«(3)

ومن عطف الكبير على الصغير: النفقة عليهم، والتلطف بهم، ومشاركتهم في مجالسهم، والقيام بتعليمهم وتربيتهم، وعدم تكليفهم بما لا يطيقون، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة حيث كان يعطف عليهم، ويقبلهم، ويلطف معهم بالقول والعمل، ويداعبهم، ولهذه المداعبة مع الأطفال أثر بالغ في تربية النشء، وإدخال السرور في قلوبهم، ولا يناقض مروءة الرجل ومهابته التي يجب الاتصاف بها، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يداعب الحسن والحسين رضي الله عنهما، بل يداعب أولاد صحابته رضوان الله عليهم، بل يداعب زوجته عائشة رضي الله عنها لكونها صغيرة السن عند زواجها، روى البخاري في الأدب المفرد: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدلع لسانه للحسن فيرى الصبي حمرة لسانه«

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال عن الحسن والحسين: «هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِن الدنيا»(4). وكان صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس وهو حامل أمامة بنت أبي العاص، فعن أَبي قَتَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ فَصَلَّى، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَفَعَهَا«(5)

بل كان يترك أولاد الصحابة يلعبون به؛ فعَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَتْ: «أَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ. قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: سَنَهْ سَنَهْ -قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَهِيَ بِالحَبَشِيَّةِ حَسَنَةٌ- قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ فَزَبَرَنِي أَبِي. قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: دَعْهَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَبْلِي وَأَخْلِقِي, ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي, ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي. قَالَ عَبْدُ الله: فَبَقِيَتْ حَتَّى ذكر يَعْنِي مِنْ بَقَائِهَا«(6)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه أبو داود في الأدب, باب في الرحمة, برقم: (4943)، وأحمد في مسند المكثرين من الصحابة (2/185).

(2) رواه الترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في رحمة الصبيان, برقم: (1920).

(3) رواه أبو داود، في كتاب الأدب، باب في تنزيل الناس منازلهم، برقم: (4843).

(4) انظر شرح السنة للبغوي، باب بر الوالدين (13/36)، وسنده حسن.

(5) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله، برقم: (5996).

(6) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به، برقم: (5993).