بحث عن بحث

المبحث الأول: الإحسان مع الوالدين (6-11)

18-كما أن العقوق سبب في وقوع البلاء، فعن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كان رجلٌ في بني إسرائيلَ يُقالُ لهُ جُرَيجٌ يُصلّي، فجاءتهُ أُمّهُ فدعَتهُ، فأبى أن يُجيبَها، فقال: أُجيبُها أو أُصلّي؟ ثمّ أتَتْهُ فقالت: اللهمّ لا تُمتهُ حتّى تُريَهُ وُجوهَ المومِساتِ. وكان جُرَيجٌ في صَومَعتهِ، فقالت امرأةٌ: لأَفْتِنَنّ جُرَيجًا، فتعَرّضَتْ لهُ فكلّمَتْهُ فأبى، فأتَتْ راعيًا فأمكَنَتْهُ من نفسِها، فوَلَدَتْ غُلامًا، فقالت: هو من جُرَيجٍ. فأتوهُ وكَسروا صَومعتَهُ، وأنزلوهُ وسَبّوهُ، فتوضّأَ وصلّى، ثمّ أتى الغُلامَ فقال: مَن أبوكَ يا غُلامُ؟ قال: الراعي. قالوا: نبني صَومعتَكَ من ذهب ؟ قال: لا، إلاّ من طينٍ«(1)

19-والعقوق عقابه شديدٌ، وعاقبته وخيمةٌ في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ . أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّـهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ(2) ، وعقوق الأم يدخل في قطع الرحم من باب أولى، بل للأم علاقة قوية في القرب أو البعد في النسب، وسمي الأقارب أولي الأرحام نسبة إلى رحم الأم، التي بها تقوى علاقة الأبناء أو تضعف بأقاربه، وأكبر وعيد ورد في حق مرتكب العقوق هو حرمانه رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرمانه الجنة التي عرضها السماوات والأرض، فعن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن على الخمر، والمنان بما أعطى«(3)

20-بعض أسباب العقوق: ويحسن بنا أن نتطرق إلى بيان بعض أسباب العقوق لكي يتجنبها الآباء حفظًا لفلذات أكبادهم من الإقدام على العقوق، ولعل من أهمها(4):

- عدم القيام بتربية الأبناء تربية إسلامية: والآباء والأمهات لا يمكن لهم أن يتوقعوا بر الأبناء بهم إذا لم يربوهم تربيةً حسنةً، بل لا يمكن لهم أن يتوقعوا دعاء الأبناء لهم بدونه، لقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا(5) ، فإذا لم يعلّموهم الأخلاق الحسنة والآداب الإسلامية في صغرهم فكيف لهم أن يتوقعوا الدعاء لهم؟! ولذا أكد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فعن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما نحل والد ولدًا من نحل أفضل من أدب حسن«(6)

جهل الأبناء لحقوق الأمهات، فالجهل له دورٌ كبيرٌ في عدم أداء الحقوق، وقد يكون الجهل ناتجًا عن عدم تثقيف الولد في صغره من قبل الآباء والأمهات.

- الخلافات العائلية: إذا كان الوالدان في خلافٍ دائمٍ، يتهم الزوج زوجته والزوجة زوجها، هذا لا يحترم زوجته، والزوجة لا تحترم زوجها، فينعدم أو يقل الاحترام في قلوب الأبناء تجاه الآباء والأمهات، وأما الآباء فلقوتهم والخوف من بطشهم لا يستطيع الأولاد إظهار ما يدل على قلة احترامهم لهم، ولكن الأمهات لشفقتهن وعطفهن على الأولاد يجترئون على عصيانهن، وعدم البر بهن، ورفع الصوت عليهن -والعياذ بالله- وقد يأمر الوالد في بيئة الخلافات العائلية ولده بعصيان أمه، وعدم البر بها.

- رفقة السوء: فإن لهم دورًا كبيرًا في سوء الأخلاق وعدم البر بالأمهات، فإن القرين بالمقارن يقتدي. كما جاء في الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ(7)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب: المظالم، باب: إذا هدم حائط فتبين مثله، برقم: (2482)، ورواه مسلم، كتاب: البر والصلة، باب: تقديم بر الوالدين، برقم: (2550).

(2) [محمد:22-23]

(3) سبق تخريجه (ص: 23).

(4) يراجع كتابنا: تربية الطفل المسلم، وكتاب: البيت المسلم.

(5) [الإسراء:24]

(6) جامع الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في أدب الولد، برقم: (1952).

(7) جامع الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في أخذ المال بحقه، برقم: (2378).