بحث عن بحث

المبحث الأول: الإحسان مع الوالدين (5-11)

17-وقد دعا جبريل عليه السلام على العاق لوالديه، وأمّن عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة : أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم صَعِدَ المِنْبَرَ فقَالَ: «آمينَ آمينَ آمينَ». قيلَ: يَا رَسولَ اللَّهِ! إنَّكَ حِينَ صَعِدْتَ المِنْبَرَ، قُلْتَ: آمينَ آمينَ آمينَ، قال: «إِنَّ جِبْرِيلَ أتَاني فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ الله قُلْ: آمين، فَقُلْتُ: آمين، ومَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُما، فَلمْ يَبَرَّهُمَا، فَماتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ الله قُلْ: آمين، فَقُلْتُ: آمين. ومَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ، فَلمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَماتَ فَدَخَلَ النّارَ فَأَبْعَدَهُ الله قُلْ: آمين، فقُلْتُ: آمين«(1)

لذا يجب على الإنسان أن يتحرى الإحسان إلى الوالدين بطلب رضاهما وببرهما لكي ينال رضا الله، والدرجات العلى في الجنة، ويعطي لأمه النصيب الأوفر من البر، لأن حقها أعظم من حق الأب، وكما جاء في الحديث أن للأم ثلاثة أمثال حق الأب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَىٰ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ«(2)

وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْد يكَرِبَ : أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ الله يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ -ثَلاَثًا- إِنَّ الله يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ. إِنَّ الله يُوصِيكُمْ بِالأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ»(3). لأن ما تقاسيه من تعب الحمل والولادة والرضاع والتربية فوق ما يقاسيه الوالد من تعب تحصيل مؤنته وكسوته بنحو الضعف(4)

ومقتضاه: أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، قَالَ الْعُلَمَاء: وَسَبَب تَقْدِيم الأُمّ كَثْرَة تَعَبهَا عَلَيْه, وَشَفَقَتهَا، وَخِدْمَتهَا, وَمُعَانَاة المَشَاقّ فِي حَمْله, ثُمَّ وَضْعه, ثُمَّ إِرْضَاعه, ثُمَّ تَرْبِيَته وَخِدْمَته وَتَمْرِيضه, وَغَيْر ذَلِك، فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها، ثم تشارك الأب في التربية.

وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ(5) .

وفي قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ(6) .

فعلى الأبناء أن يكونوا بارين أكثر بأمهاتهم، ولو ترتب على ذلك حرمانهم من بعض المنافع؛ وفي مسند أحمد عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: أتى رجل أبا الدرداء فقال: إن امرأتي بنت عمي، وأنا أحبها، وإن والدتي تأمرني أن أطلقها، فقال: لا آمرك أن تطلقها ولا آمرك أن تعصي والدتك، ولكن أحدثك حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الوالدة أوسط أبواب الجنة؛ فإن شئت فأمسك وإن شئت فدع«(7)

وما أجمل ما قال الشاعر:

لأمـك حق لو علمت كـبير *** فكم ليلة باتت بثقلك تشتـكي

وفي الوضع لو تدري عليها مشقة *** فكم غسلت عنك الأذى بيمينها

وتفديك مما تشتـكيه بنفـسها *** وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها

فآه لذي عقل ويتبـع الهـوى *** فدونك فارغب في عميم دعائها

كثيرك يا هـذا لديـه يسير *** لها مـن جـواها أنة وزفير

فمن غصص منها الفؤاد يطير *** وما حجرها إلا لديك سـرير

ومن ثديها شـرب لديك نمير *** حنـوًا وإشفاقًا وأنت صـغير

وآه لأعمى القلب وهو بصـير *** فأنت لما تدعـو إليـه فقـير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح ابن حبان، كتاب: البر والإحسان، باب: حق الوالدين، برقم: (409)، وصححه المحقق شعيب الأرنؤوط.

(2) صحيح البخاري، كتاب: الأدب، باب: من أحق الناس بحسن الصحبة، برقم: (5971)، ورواه مسلم، كتاب: البر والصلة، باب: بر الوالدين، برقم: (2548).

(3) سنن ابن ماجه، كتاب: الأدب، باب: بر الوالدين، برقم: (3661).

(4) [الأحقاف:15]

(5) [لقمان:14]

(6) مرقاة المفاتيح، (5/ 32).

(7) مسند أحمد (5/197).