بحث عن بحث

الوقفة الرابعة: الإحسان مع الله تعالى (8-8)

وعند تأملي لآيات الحج وجدت أن هناك رابطًا عظيمًا بين التوحيد ونفي الشرك وبين الحج، مثل قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(1) ، وقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّـهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(2) .

فنصل إلى قناعة تامة بأن الحج إلى بيت الله الحرام بجميع أقواله وأعماله وشعائره - كأي عبادة أخرى - تنطلق من «لا إله إلا الله» لتحقيق تعميق «لا إله إلا الله»، في النفوس بجلاء ووضوح، ابتداء من إقامة بيت الله الحرام، وبناء الكعبة المشرفة، ثم تشريع الحج إلى هذا البيت العظيم، وهكذا في كل أعمال الحج؛ حيث لا يخلو نسك أو ركن منه إلا وفيه علامة أو إشارة إلى توحيد الخالق ﻷ قولًا أو عملًا، سواء كان هذا التوحيد في الربوبية، أو الألوهية، أو في الأسماء والصفات، وذلك لأهميته العظيمة في حياة الإنسان، وهي الحقيقة التي أرسل الله الرسل والأنبياء لترسيخها في نفوس الناس، والعمل بمقتضياتها، وإزالة كل ما هو لغير الله من هذه النفوس من عبادةٍ للأحجار, أو الأشجار, أو الكواكب، أو البشر, أو القبور, أو الأضرحة، يقول الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّـهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ(3)  وقال أيضًا: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (4) ، وكذا قوله جل وعلا: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّـهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ(5) ، وغيرها من الآيات كثيرة جدًا، حتى قال بعض العلماء: إن غالبية سور القرآن تتضمن نوعي التوحيد، لذا فليربط المسلم بين أول حياته وآخرها، وأول أعماله وآخرها بتوحيد الله سبحانه، يبدأ حياته موحدًا ويعيش موحدًا ويموت موحدًا، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(6) (7)

ومن الإحسان: الاعتراف بنعم الله على العبد، فلله على الإنسان مننٌ لا تحصى, ونعمٌ لا تعدّ، كما ذكر تعالى بعض ما سخرها الله لعباده في قوله تعالى: ﴿اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ . وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ . وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّـهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(8) .

وكذلك عدّد في سورة النحل بعض نعمه فقال: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ . وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ . وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ . وَعَلَى اللَّـهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ . هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ . يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ . وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ . أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ . وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّـهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّـهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ(9) ، وقال تعالى: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّـهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ . ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ(10)  .

فعلى العبد أن يتذكر نعم الله عليه وإحسانه به، فيحسن مع الله كما أحسن الله إليه؛ لأن جزاء الإحسان الإحسان، كما قال تعالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ(11) .

ومن الإحسان مع الله: أن يشكر الله على نعمه بلسانه: بحمده، والثناء عليه بما هو أهله، وبجوارحه: بتسخيرها في طاعته ﻷ، وكذلك ينظر إلى علمه تعالى واطلاعه على السرائر والخفايا، قال تعالى: ﴿ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(12)  وليمتلئ قلبه منه مهابةً ووقارًا وتعظيمًا وتبجيلًا، وليخجل من معصيته، وليستح من مخالفته، وليخش عقابه وبطشه، قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(13) ، وقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ(14) ، فلينظر العبد إلى ألطاف الله ونعمه عليه، متمثلًا قوله تعالى: ﴿ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(15) .

فيتضح مما سبق: أن الإحسان مع الله يتمثل في توحيده تبارك وتعالى، وإخلاص العبادة له، واجتناب الشرك، كما يتمثل في قضاء الإنسان حياته العملية كلها متمثلًا أوامره، ومجتنبًا نواهيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الحج:26]

(2) [آل عمران:97]

(3) [النحل:36]

(4) [الكهف:110]

(5) [آل عمران:64]

(6) [الأنعام:163]

(7)  من أراد التوسع في هذه النقطة فليراجع كتابنا: «معالم التوحيد في الحج».

(8) [إبراهيم:32-34]

(9) [النحل:5-19]

(10) [النحل:53- 54]

(11) [الرحمن:60]

(12) [الملك:: 13-14]

(13) [البروج:12]

(14) [هود:102]

(15) [البقرة:195]