بحث عن بحث

الوقفة الرابعة: الإحسان مع الله تعالى (7-8)

وفي فضل صلاة الجماعة قال كما في الحديث عن أَبي هُرَيْرَةَ ا قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَل المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ«(1)

وكذلك من الإحسان مع الله في الزكاة: أن يخرج مقدار ما فرضه الله عليه طيبًا به نفسه، وقد حث الله عليه في كتابه العزيز في مواضع عديدة: مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ(2) .

وقال: ﴿ وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ(3) .

وقال أيضًا: ﴿ إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(4) .

وكما جاء في الحديث: أن من يتصدق بدينار بصدق نية وإخلاص قلب يتقدم ألف دينار، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ, وَلَا يَقْبَلُ الله إِلَّا الطَّيِّبَ, وَإِنَّ الله يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ, ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ«(5)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَال: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، قَالُوا: وَكَيْفَ؟ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا، وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا«(6)

يقول السندي في شرحه: «وَظَاهِر الْأَحَادِيث: أَنَّ الْأَجْر عَلَى قَدْر حَال الْمُعْطِي لَا عَلَى قَدْر المَال الْمُعْطَى؛ فَصَاحِب الدِّرْهَمَيْنِ حَيْثُ أَعْطَى نِصْف مَاله فِي حَالٍ لَا يُعْطِي فِيهَا إِلَّا الْأَقْوِيَاءُ، يَكُونُ أَجْرُهُ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ، بِخِلَافِ الْغَنِيّ فَإِنَّهُ مَا أَعْطَى نِصْفَ مَالِهِ وَلَا فِي حَالٍ لَا يُعْطَى فِيهَا عَادَةً، وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَالَ: لَعَلَّ الْكَلَامَ فِيمَا إِذَا صَارَ إِعْطَاءُ الْفَقِيرِ الدِّرْهَمَ سَبَبًا لِإِعْطَاءِ ذَلِكَ الْغَنِيِّ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ، وَحِينَئِذٍ يَزِيدُ أَجْرُ الْفَقِيرِ؛ فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أَجْرِ الْغَنِيِّ وَأَجْر زِيَادَة دِرْهَم، لَكِنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا المَعْنَى وَلَا يُنَاسِبهُ. وَالله تَعَالَى أَعْلَمُ«(7)

وكذلك الإحسان في الصيام: بأن يصوم لله تعالى إيمانًا به واحتسابًا للأجر، كما جاء في الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ«(8)

قال الحافظ في الفتح: «وَالمُرَاد بِالْإِيمَانِ: الِاعْتِقَاد بِحَقِّ فَرْضِيَّةِ صَوْمِهِ, وَبِالِاحْتِسَابِ طَلَب الثَّوَابِ مِن الله تَعَالَى. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ: اِحْتِسَابًا أَيْ عَزِيمَة, وَهُوَ أَن يَصُومَهُ عَلَى مَعْنَى الرَّغْبَة فِي ثَوَابِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ بِذَلِكَ، غَيْرَ مُسْتَثْقِل لِصِيَامِهِ، وَلَا مُسْتَطِيل لِأَيَّامِهِ«(9)

كما قال في الأضاحي: عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى الله مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ؛ إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَأَظْلَافِهَا، وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِن الله بِمَكَانٍ قَبْلَ أَن يَقَعَ مِن الْأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا«(10)

قال صاحب التحفة: «أَيْ إِذَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُ تَعَالَى يَقْبَلُهُ وَيَجْزِيكُمْ بِهَا ثَوَابًا كَثِيرًا، فَلْتَكُنْ أَنْفُسُكُمْ بِالتَّضْحِيَةِ طَيِّبَةً غَيْرَ كَارِهَةٍ لَهَا«(11)

ومن لم يراع آداب الصوم فإنه لا يستفيد من صومه، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رصلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ؛ فَلَيْسَ ﷲِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ«(12)

قال الحافظ في الفتح: «وَالْمُرَاد بِقَوْلِ الزُّورِ: الْكَذِبُ، وَالْجَهْلِ: السَّفَهُ, وَالْعَمَلِ بِهِ أَيْ بِمُقْتَضَاهُ» وقَوْلُهُ: «فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» قَالَ ابْن بَطَّال: «لَيْسَ مَعْنَاهُ أَن يُؤْمَرَ بِأَن يَدَعَ صِيَامَهُ, وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّحْذِير مِنْ قَوْلِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ, وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ «مَنْ بَاع الْخَمْر فَلْيُشَقِّصْ الْخَنَازِير» أَيْ يَذْبَحْهَا، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِذَبْحِهَا وَلَكِنَّهُ عَلَى التَّحْذِيرِ وَالتَّعْظِيمِ لِإِثْم بَائِع الْخَمْر«

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: «لَيْسَ المَقْصُود مِنْ شَرْعِيَّةِ الصَّوْمِ نَفْس الْجُوعِ وَالْعَطَشِ, بَلْ مَا يَتْبَعُهُ مِنْ كَسْرِ الشَّهَوَات، وَتَطْوِيعِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ لِلنَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ, فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَا يَنْظُرُ الله إِلَيْهِ نَظَر الْقَبُولِ«(13)

وإذا راعى الصائم آداب الصيام فإنه يؤجر بلا حساب، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ«(14)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة، برقم: (647).

(2) [البقرة:267]

(3) [المنافقون:10]

(4) [البقرة:271]

(5) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة من كسب طيب، برقم: (1410).

(6) سنن النسائي، كتاب الزكاة، باب جهد المقل، برقم: (2528).

(7) شرح سنن النسائي للسندي، المجلد الثالث (5/ 59-60).

(8) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتسابًا من الإيمان، برقم: (38).

(9) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (4/115).

(10) جامع الترمذي، كتاب الأضاحي، باب ما جاء في فضل الأضحية، برقم: (1493).

(11) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، (2/ 372).

(12) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم، برقم: (1903).

(13) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (4/117) بتصرف.

(14) صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب فضل الصيام، برقم: (1151).