بحث عن بحث

الوقفة الرابعة: الإحسان مع الله تعالى (4-7)

وكذلك نثبت له من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه في كتابه، أو أثبته رسوله في سنته، كما يليق بجلاله تبارك وتعالى بدون تحريف, ولا تعطيل, ولا تكييف, ولا تمثيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1) ، ﴿وَلِلَّـهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(2) (3)

وقد ضل في باب الأسماء والصفات بعض الأمة الإسلامية فانقسموا فيه إلى فرق متناقضة بين تعطيل معاني الأسماء والصفات، وبين تشبيهه وتمثيله تعالى بخلقه، متأثرين بعلم الكلام والفلسفة الذي كان سائدًا في حقبة تاريخية، وقد رجع بعض كبار علمائها إلى مذهب أهل السنة والجماعة. فيقول الرازي بعد مدة من حياته:

نهاية إقدام العقول عقال *** وأكثر سعي العالمين ضلال

وأرواحنا في وحشة من جسومنا *** وحاصل دنيانا أذى ووبال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا *** سوى أن جمعنا فيه قيـل وقالوا

               

ثم قال: «لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية؛ فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ(4) ، ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ(5)  (يعنى: فأثبت) وأقرأ في النفي:﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(6) ، ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ [طه: 110] ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا(7)  (يعني: فأنفي المماثلة، وأنفي الإحاطة به علمًا) ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي«(8)

ومن الإحسان مع الله تعالى حسن الظن به تبارك وتعالى، وقد جاء في الحديث التأكيد عليه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ الله تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي؛ فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً«(9)

ويترتب جزاء الله بحسب ظن العبد به إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنَّ الله ﻷ قَالَ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي؛ إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ«(10)

يقول صاحب التحفة: «أَيْ أَنَا أُعَامِلُهُ عَلَى حَسَبِ ظَنِّهِ بِي، وَأَفْعَلُ بِهِ مَا يَتَوَقَّعُهُ مِنِّي مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَالْمُرَادُ الْحَثُّ عَلَى تَغْلِيبِ الرَّجَاءِ عَلَى الْخَوْفِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بالله«(11)

وعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «قَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي؛ فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ«(12)

وبالأخص عند الموت، فعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثٍ يَقُولُ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِالله الظَّنَّ«(13)

قال صاحب التحفة نقلًا عن القرطبي: «وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْقِيَامِ بِمَا عَلَيْهِ, مُوقِنًا بِأَنَّ الله يَقْبَلُهُ وَيَغْفِرُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَعَدَ بِذَلِكَ، وَهُوَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، فَإِن اعْتَقَدَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ الله لَا يَقْبَلُهَا، وَأَنَّهَا لَا تَنْفَعُهُ، فَهَذَا هُوَ الْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ الله، وَهُوَ مِن الْكَبَائِرِ«(14)

فأحسن الظن بالله تعالى، وحذار ثم حذار من سوء الظن به، فإنه من الموبقات، قال تعالى: ﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّـهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۖ وَغَضِبَ اللَّـهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا(15) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الشورى:11]

(2) [الأعراف:180]

(3) ينظر: القول المفيد شرح كتاب التوحيد للعثيمين: (1/ 8- 20) بتلخيص.

(4) [طه:5]

(5) [فاطر:10]

(6) [الشورى:11]

(7) [مريم:65]

(8) نقلًا من كتاب: درأ تعارض العقل والنقل لابن تيمية، (1 / 160).

(9) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾، برقم: (7405).

(10) مسند أحمد، مسند المكثرين (2/391).

(11) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي (3/282).

(12) سنن الدارمي، كتاب: الرقاق، باب: في حسن الظن بالله، برقم: (2731).

(13) صحيح مسلم، كتاب: الجنة وصفة نعيمها، باب: الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، برقم: (2877).

(14) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي (3/282).

(15) [الفتح:6]