بحث عن بحث

الوقفة الرابعة: الإحسان مع الله تعالى (3-7)

ومن الإحسان مع الله: امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وبالأخص التوقي من الشرك؛ لأنه من أكبر الكبائر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ(1) .

ولا شك أن أعظم الذنوب الشرك والكفر بالله تعالى، ولذا ورد النهي الشديد عن الوقوع فيه؛ وإن ترتب على ذلك إزهاق النفس، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم: «أَنْ لَا تُشْرِكْ بِالله شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا؛ فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَلَا تَشْرَب الخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ«(2)

ولا شك أن أغلى شيء في الدنيا الإيمان؛ فليحافظ الإنسان عليه، فبدونه لا يدخل الجنة، كما جاء في الحديث عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةِ أَدَمٍ فَقَالَ: «أَلَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، اللَّهمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهمَّ اشْهَدْ»(3) الحديث.

وفي رواية أحمد: قَالَ جَابِرٌ رضي الله عنه: أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سُحَيْمًا أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ: «أَلَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ«(4)

ومصداقه من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(5) .

والشرك بالله من أعظم الذنوب كما جاء في الحديث: عَنْ عَبْدِ الله رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ ﷲ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ ﷲِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ. قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ! قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ«(6)

وإن المشرك لا تنفعه أعماله، كما جاء في الحديث عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: «لَا يَنْفَعُهُ؛ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ«(7)

قال النووي في شرحه: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ مَا كَانَ يَفْعَلهُ مِن الصِّلَة وَالْإِطْعَام وَوُجُوه الْمَكَارِم لَا يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة; لِكَوْنِهِ كَافِرًا, وَهُوَ مَعْنَى قَوْله صلى الله عليه وسلم: «لَمْ يَقُلْ رَبّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْم الدِّين» أَيْ لَمْ يَكُنْ مُصَدِّقًا بِالْبَعْثِ, وَمَنْ لَمْ يُصَدِّق بِهِ كَافِر, وَلَا يَنْفَعهُ عَمَل(8)

وقال تعالى: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(9)

فمن أشرك بالله شيئًا فقد فسدت عباداته كلها من صلاة وصوم وجهاد وصدقة، نسأل الله السلامة من جميع أنواع الشرك.

ومن أعظم الإحسان مع الله تعالى أن يخلص التوحيد له سبحانه بأنواعه الثلاثة: من الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات.

والتوحيد: إفراد الله تعالى بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وقد اجتمعت في قوله تعالى: ﴿رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا(10) .

فنؤمن إيمانًا جازمًا بأن الله وحده هو المستحق للعبادة, ونصرف جميع أنواع العبادات له وحده، كما قال تعالى: ﴿ وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَـٰنُ الرَّحِيمُ(11) ، فلا معبود سواه.

كما نؤمن إيمانًا جازمًا بأن الله هو الخالق والمالك والمدبر لهذا الكون ولجميع الخلائق، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(12) ، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّـهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(13) ، وقال: ﴿قل مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّـهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ . فَذَٰلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ(14).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [النساء:48]

(2) سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم: (4034).

(3) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة، برقم: (221).

(4) مسند أحمد (3/349).

(5) [المائدة:72]

(6) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾، برقم: (4477)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده، برقم: (86).

(7) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه، برقم: (214).

(8) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الأول (3/87).

(9) [الزمر:65]

(10) [مريم:65]

(11) [البقرة:163]

(12) [الأعراف: 54]

(13) [آل عمران:189]

(14) [يونس:31-32]