بحث عن بحث

الوقفة الرابعة: الإحسان مع الله تعالى (1-7)

الإحسان: هذه الكلمة التي تعني: الوصول للقمة في التعامل مع الله سبحانه، وفي التعامل مع خلق الله جل وعلا.

ولتجلية هذا المعنى العظيم نبيّن في هذه الوقفة شيئًا من مقتضيات الإحسان مع الله تعالى، مبتدئين بما جاء به النص الكريم، كما في حديث جبريل عليه السلام الذي ذكرت فيه مراتب الدين: فعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ؛ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَن الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِن اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَن الْإِيمَانِ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَن الْإِحْسَانِ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَن السَّاعَةِ؟ قَالَ: مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِن السَّائِلِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَن أَمَارَتِهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ. قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَن السَّائِلُ؟ قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ«(1)

فذكر في تعريف الإحسان: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك«

وقد شرح العلماء هذا الحديث وأطنبوا في شرحه، فنذكر فيما يلي ما يتعلق بالإحسان، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الإحسان: الإخلاص في التوحيد(2)

وقال صاحب التحفة: «والْإِحْسَانُ: مَصْدَرٌ؛ تَقُولُ: أَحْسَنَ يُحْسِنُ إِحْسَانًا. وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، تَقُولُ: أَحْسَنْت كَذَا إِذَا أَتْقَنْته، وَأَحْسَنْت إِلَى فُلَانٍ إِذَا أَوْصَلْت إِلَيْهِ النَّفْعَ, وَالْأَوَّلُ هُوَ المُرَادُ لِأَنَّ المَقْصُودَ إِتْقَانُ الْعِبَادَةِ، وَقَدْ يُلْحَظُ الثَّانِي بِأَنَّ المُخْلِصَ مَثَلًا مُحْسِنٌ بِإِخْلَاصِهِ إِلَى نَفْسِهِ«(3)

وقال النووي: «قَوْله صلى الله عليه وسلم: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُد الله كَأَنَّك تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك»، هَذَا مِنْ جَوَامِع الْكَلِم الَّتِي أُوتِيهَا صلى الله عليه وسلم ، لِأَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ أَحَدنَا قَامَ فِي عِبَادَة وَهُوَ يُعَايِن رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِمَّا يَقْدِر عَلَيْهِ مِن الْخُضُوع وَالْخُشُوع وَحُسْن السَّمْت، وَاجْتِمَاعه بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنه عَلَى الِاعْتِنَاء بِتَتْمِيمِهَا عَلَى أَحْسَن وُجُوههَا إِلَّا أَتَى بِهِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: اُعْبُدْ الله فِي جَمِيع أَحْوَالك كَعِبَادَتِك فِي حَال الْعِيَان؛ فَإِنَّ التَّتْمِيم المَذْكُور فِي حَال الْعِيَان إِنَّمَا كَانَ لِعِلْمِ الْعَبْد بِاطِّلَاعِ الله سُبْحَانه وَتَعَالَى عَلَيْهِ؛ فَلَا يُقْدِم الْعَبْد عَلَى تَقْصِير فِي هَذَا الْحَال لِلِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ. وَهَذَا المَعْنَى مَوْجُود مَعَ عَدَم رُؤْيَة الْعَبْد فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْمَل بِمُقْتَضَاهُ، فَمَقْصُودُ الْكَلَامِ الْحَثُّ عَلَى الْإِخْلَاص فِي الْعِبَادَة، وَمُرَاقَبَةُ الْعَبْدِ، رَبَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي إِتْمَام الْخُشُوع وَالْخُضُوع وَغَيْر ذَلِكَ«(4)

وقال صاحب التحفة: «وَإِحْسَانُ الْعِبَادَةِ الْإِخْلَاصُ فِيهَا، وَالْخُشُوعُ، وَفَرَاغُ الْبَالِ حَالَ التَّلَبُّسِ بِهَا، وَمُرَاقَبَةُ المَعْبُودِ(5)

وقال السندي في شرح سنن النسائي: «وَالْحَاصِل: أَنَّ الْإِحْسَان هُوَ مُرَاعَاة الْخُشُوع وَالْخُضُوع -وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا- فِي الْعِبَادَة عَلَى وَجْه رَعَاهُ لَوْ كَانَ رَائِيًا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ رَائِيًا حَال الْعِبَادَة لَمَا تَرَكَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِن الْخُشُوع وَغَيْره، وَلَا مَنْشَأ لِتِلْكَ المُرَاعَاة حَال كَوْنه رَائِيًا إِلَّا كَوْنه تَعَالَى رَقِيبًا عَالِمًا مُطَّلِعًا عَلَى حَاله. وَهَذَا مَوْجُود، وَإِنْ لَمْ يَكُن الْعَبْد يَرَاهُ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْلِيله «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك» أَيْ: وَهُوَ يَكْفِي فِي مُرَاعَاة الْخُشُوع بِذَلِكَ الْوَجْه» (6)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سبق تخريجه.

 (2) معالم التنزيل للبغوي (2/632).

 (3) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، (3/354).

 (4) شرح مسلم للنووي، المجلد (الأول)، (1/157-158).

 (5) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، (3/354).

 (6) شرح سنن النسائي للسندي، المجلد الرابع، (8/99).