بحث عن بحث

الوقفة الثالثة: الإحسان مبدأ إسلامي عظيم (2-2)

وكما قال تعالى عن أوصاف أهل الجنة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ . وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(1) . وقال في موضع آخر: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ(2)  .

فالإحسان خلق فاضل يجب أن يتلبس به المسلم في جميع مراحل عمره، وينبغي الالتزام به في جميع شؤونه، يقول الشيخ الجزائري منبهًا أهمية الإحسان في ميادين كثيرة, وفي أبواب الدين كلها، يحسن أن ننقله هنا ونكتفي به، قال: «والإحسان في باب العبادات أن تؤدى العبادة أيًا كان نوعها، من صلاة أو صيام أو حج أو غيرها أداءً صحيحًا, باستكمال شروطها وأركانها، واستيفاء سننها وآدابها, وهذا لا يتم للعبد إلا إذا كان شعوره قويًا بمراقبة الله عز وجل حتى كأنه يراه تعالى ويشاهده، أو على الأقل يشعر نفسه بأن الله تعالى مطلع عليه، وناظر إليه, فبهذا وحده يمكنه أن يحسن عبادته ويتقنها, فيأتي بها على الوجه المطلوب, وهذا ما أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك«(3)

وفي باب المعاملات فهو للوالدين ببرهما بالمعروف، وطاعتهما في غير معصية الله، وإيصال الخير إليهما، وكف الأذى عنهما، والدعاء والاستغفار لهما, وإنفاذ عهدهما, وإكرام صديقهما.

وهو للأقارب ببرهم ورحمتهم والعطف عليهم، وفعل ما يجمل فعله معهم، وترك ما يسيء إليهم.

وهو لليتامى بالمحافظة على أموالهم، وصيانة حقوقهم، وتأديبهم، وتربيتهم بالحسنى، والمسح على رؤوسهم.

وهو للمساكين بسد جوعهم، وستر عورتهم، وعدم احتقارهم وازدرائهم، وعدم المساس بهم بسوء، وإيصال النفع إليهم بما يستطيع.

وهو لابن السبيل بقضاء حاجته, وسد خلته, ورعاية ماله, وصيانة كرامته، وبإرشاده إن استرشد, وهدايته إن ضل.

وهو للخادم بإتيانه أجره قبل أن يجف عرقه، وبعدم إلزامه ما لا يلزمه، أو تكليفه بما لا يطيق, وبصون كرامته، واحترام شخصيته.

وهو لعموم الناس بالتلطف في القول لهم, ومجاملتهم في المعاملة، وبإرشاد ضالهم، وتعليم جاهلهم، والاعتراف بحقوقهم، وبإيصال النفع إليهم، وكف الأذى عنهم.

وهو للحيوان بإطعامه إن جاع، ومداواته إن مرض، وبعدم تكليفه ما لا يطيق، وحمله على ما لا يقدر، وبالرفق به إن عمل، وإراحته إن تعب.

وهو في الأعمال البدنية بإجادة العمل، وإتقان الصنعة، وبتخليص سائر الأعمال من الغش، وهكذا» ا.هـ. كلامه(4)

هذا ملخص لميادين الإحسان التي سنفصلها إن شاء الله، وخلاصة القول في أهميتها: أن النبي صلى الله عليه وسلم ربى أصحابه على هذه الخصلة النبيلة، والخلق المتين، فوصل مجتمع الصحابة إلى أعلى قمة في الإحسان، فنعموا بالحياة الطيبة، بل ذلك مما ساعد على انتشار الإسلام. فسموا بحسن خلقهم وإحسانهم إلى الناس، وتواضعهم مع خلق الله.

وهنا همسة في أذن كل داعية ومعلم ومربي الناس الخير؛ ليجيب كل واحد على هذا السؤال, أين نحن من هذه الصفة الحميدة التي لا تأتي إلا بالخير، فما تخلق بها أحد إلا جمَّلته، وما اعتزل عنها أحد إلا شانته. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الرفق الذي هو جزء من الإحسان: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ«(5)

ولعل في الوقفات الآتية ما يجلي مفهوم هذا المبدأ العظيم، ويوسِّعه، ويرسخه في النفوس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [المرسلات:41- 43]

(2) [الذاريات: 15- 16]

(3) سبق تخريجه.

(4) ينظر: منهاج المسلم للشيخ أبي بكر الجزائري، (ص:152-153).

(5) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، برقم: (2594).