بحث عن بحث

الوقفة الثانية: مع كلمات الحديث

يحسن بنا قبل أن نبدأ بالشرح أن نقف وقفةً قصيرةً حول شرح معاني المفردات.

»ثنتان»: أي: خصلتان اثنتان، هما؛ إحسان القتلة وإحسان الذبحة(1).

»كتب»: بمعنى فرض، كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(2).

قال الطبري: «يعني بقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾: فرض عليكم الصيام«(3)

وبمعنى أوجب: كما قال السندي في شرح الحديث: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»، «أي: أوجب عليكم الإحسان في كل شيء«(4)

وقال الطيبي: «أي أوجب، مبالغة لأن الإحسان هنا مستحب»(5). والمراد بالإيجاب الندب المؤكد(6).

وبمعنى أمر: يقول صاحب التحفة في شرح هذا الحديث: «أي أمركم بالإحسان في كل شيء«(7).

»الإحسان»: قال القرطبي: «وأما الإحسان فقد قال علماؤنا: الإحسان مصدر أحسن يُحسن إحسانًا، ويقال على معنيين: أحدهما متعد بنفسه، كقولك: أحسنت كذا، أي حسّنته وكملته، وهو منقول بالهمزة من حسن الشيء. وثانيهما: متعد بحرف جر، كقولك: أحسنت إلى فلان، أي أوصلت إليه ما ينتفع به«(8)

وقال الشوكاني: «وأما الإحسان فمعناه اللغوي يرشد إلى أنه التفضل بما لم يجب كصدقة التطوع، ومن الإحسان فعل ما يثاب عليه العبد مما لم يوجبه الله عليه في العبادات وغيرها، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الإحسان بأن يعبد اللهَ العبدُ حتى كأنه يراه, فإن لم يكن يراه فإن الله يراه. فقال في حديث ابن عمر ب الثابت في الصحيحين: قال جبريل -عليه السلام- ما الإحسان يا رسول الله؟! قال:  «والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»(9). وهذا هو معنى الإحسان شرعًا(10).

»على كل شيء»: على بمعنى «إلى» أي: كتب الإحسان إلى كل شيء(11)

أو بمعنى «في» أي: أمركم بالإحسان في كل شيء(12)

أو بمعنى «اللام» متعلقة بالإحسان، ولا بد من «على» أخرى محذوفة بمعنى الاستعلاء المجازي متعلقة بكتب، والتقدير: كتب على الناس الإحسان لكل شيء(13)

»القتلة»: يقول ابن الأثير: القتلة بالكسر: الحالة من القتل، وبفتحها: المرة منه. وقد تكرر في الحديث، ويفهم المراد بهما من سياق اللفظ(14)

»إحسان القتل»: اختيار أسهل الطرق وأقلها ألمًا(15)

ويقول السندي: «إحسان القتلة: أن لا يمثل، ولا يزيد في الضرب«(16)

ويقول النووي: «وقوله: «فأحسنوا القتلة» عام في كل قتيل من الذبائح، والقتل قصاصًا، وفي حد، ونحو ذلك«(17)

»الذبحة»: يقول النووي: «وقع في كثير من النسخ أو أكثرها: «فأحسنوا الذَبح» بفتح الذال بغير هاء، وفي بعضها «الذِبحة» بكسر الذال وبالهاء كالقِتلة، وهي الهيئة والحالة«(18)

»إحسان الذبح»: الرفق بها؛ فلا يصرعها بعنف, ولا يجرها للذبح بعنف, ولا يذبحها بحضرة أخرى(19).

»وليُحد»: من الإحداد بضم الياء، يقال: أحدّ السكين وحدَّدها واستحدّها بمعنى(20)

يقول الفيروزآبادي: «وحدّ السكين وأحدّها وحدّدها مسحها بحجر أو مبرد فحدّت«(21)

ويقول الرازي: «وتحديد الشفرة وإحدادها واستحدادها بمعنى»(22). أي: ليجعله حادًا سريع القتل(23).

»شَفْرة»: بفتح الشين وسكون الفاء: السكين العظيم, والجمع: شفار(24).

»وليُرِحْ»: بضم الياء وكسر الراء من «أراح» إذا حصلت راحة. أي: فليرح ذبيحته بإحداد السكين وتعجيل إمرارها(25).

»الذبح»: يقول الرازي: «الذبح معروف وبابه قطع، والذبح بالكسر ما يذبح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ(26) والذبيح المذبوح، والأنثى ذبيحة، وإنما جاءت بالهاء لغلبة الاسم عليها«(27)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح سنن النسائي للسندي، (المجلد الرابع) (7/ 229).

(2) [البقرة:183]

(3) تفسير الطبري، (3/ 152).

(4) شرح سنن النسائي للسندي (المجلد الرابع) (7/ 227).

(5) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي (2/ 310).

(6) شرح سنن ابن ماجه للسندي، (المجلد الرابع) (7/ 227).

(7) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي (2/ 310).

(8) تفسير القرطبي، المجلد الخامس، (10/ 166).

(9) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي غ عن الإيمان والإسلام والإحسان، برقم: (50)، ومسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، برقم: (9).

(10) فتح القدير للشوكاني (3/ 188).

(11) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي (2/ 310).

(12) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي (2/ 310), وعون المعبود شرح سنن أبي داود، (8/ 10).

(13) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي (2/ 310).

(14) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (4/ 13)، ولسان العرب لابن منظور، المجلد السابع، (14/67).

(15) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي (2/ 310).

(16) شرح سنن النسائي للسندي، (المجلد الرابع) (7/ 227).

(17) شرح صحيح مسلم للنووي، (المجلد الخامس) (13/ 107).

(18) المرجع السابق.

(19) عون المعبود شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي (8/ 10).

(20) شرح صحيح مسلم للنووي، (المجلد الخامس) (13/ 107).

(21) القاموس المحيط للفيروزآبادي، (1/ 297).

(22) مختار الصحاح للرازي (ص:126).

(23) شرح سنن النسائي للسندي، (المجلد الرابع) (7/ 227).

(24) القاموس المحيط للفيروزآبادي، (2/ 63).

(25) شرح مسلم للنووي، (المجلد الخامس) (13/ 107).

(26)  [الصافات:107]

(27) مختار الصحاح للرازي (ص:219).