بحث عن بحث

الوقفة السادسة: حب الإيمان وكراهية الكفر (4-6)

فمن أشرك بالله شيئاً فقد فسدت جميع عباداته من صلاة وصوم وجهاد وصدقة... نسأل الله السلامة من جميع أنواع الشرك.

ولا يجوز لهم الدعاء بالمغفرة، كما قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ(1) .

وأما ما ذكر عن دعاء إبراهيم لأبيه، فهو كان قبل علمه بالنهي، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّـهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ(2) .

فلذا حري بالمسلم أن يحافظ على إيمانه لكي يحوز برضا الرب جل وعلا، ومن ثم يدخل الجنة ويزحزح عن النار.

وإن من أهم عوامل المحافظة على الإيمان والثبات عليه ما يلي:

1ـ استشعار عظمة الله جل وعلا -دائماً وأبداً- فيستشعر أن الخالق المدبر الرزاق ذو القوة المتين، ما من شيء في هذا الكون إلا بعلمه، ولا يتحرك إلا بإذنه، ولا يمرض مريض، ولا يصح صحيح، ولا يفتقر غني، ولا يغني فقير، ولا يولد مولود، ولا يموت حي، ولا يسكن متحرك، ولا يتحرك ساكن إلا بعلمه وإذنه، يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، يعلم السر وأخفى، يطلع على النجوى، ما يكون ثلاثة إلا هو معهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم، رب العالمين، وإله الأولين والآخرين، يقول للشيء كن فيكون سبحانه وتعالى. فإذا استشعر المسلم ذلك عظم عنده خالقه فثبت على دينه.

2ـ ذكر الله دائماً وأبداً بلسانه وقلبه وأعماله، كما قال تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ(3) .

وكما جاء في الحديث أنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ غ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصدقةٍ فَأخفَاها حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ«(4)

وفي الحديث القدسي: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً«(5)

3ـ الدعاء وحسن الرجاء بطلب الثبات على هذا الدين، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، كما جاء في الحديث عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ؛ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ. إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الله يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» قَالَ أَبُو عِيسَى: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ«(6)

والدعاء مستجاب إذا خلا من الموانع، قال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ(7) ، فحري بمحب الإيمان أن يكثر من الدعاء والصلة بربه، وتعميق رجائه بذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [التوبة:113]

(2) [التوبة:114]

(3) [البقرة:152]

(4) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، برقم: (660).

(5)  صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ)، برقم: (7405)، وصحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى , برقم: (2675).

(6) جامع الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن، برقم: (2140).

(7) [غافر:60]