بحث عن بحث

الوقفة السادسة: حب الإيمان وكراهية الكفر (3-6)

وقال تعالى: ﴿ لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّـهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّـهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّـهِ الْمَصِيرُ(1) .

مَعْنَى الْآيَة: «لَا يَتَّخِذ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ وَلِيًّا فِي الْبَاطِن وَلَا فِي الظَّاهِر، إِلَّا لِلتَّقِيَّةِ فِي الظَّاهِر فَيَجُوز أَنْ يُوَالِيَهُ إِذَا خَافَهُ وَيُعَادِيه بَاطِنًا«(2)

ولا شك أن أغلى شيء في الدنيا الإيمان، فليحافظ الإنسان عليه، فبدونه لا يدخل الجنة، كما جاء في الحديث عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةِ أَدَمٍ فَقَالَ: «أَلَا! لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللهُمَّ اشْهَدْ» الحديث(3)

وفي رواية أحمد: قَالَ جَابِرٌ: «أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سُحَيْمًا أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ: أَلَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ«(4)

ومصداقه من قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(5) .

وأعظم الذنوب الشرك بالله، كما جاء في الحديث: عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ الله؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ«(6)

وحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، كما جاء في حديث معاذ: أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سأله: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ الله عَلَى الْعِبَادِ»؟ قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ»؟ قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ«(7)

وإن المشرك لا تنفعه أعماله، كما جاء في الحديث عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: «لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ«(8)

قال النووي في شرحه: «مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ مَا كَانَ يَفْعَلهُ مِنْ الصِّلَة وَالْإِطْعَام وَوُجُوه الْمَكَارِم لَا يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة ; لِكَوْنِهِ كَافِرًا, وَهُوَ مَعْنَى قَوْله صلى الله عليه وسلم: «لَمْ يَقُلْ: رَبّ اِغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْم الدِّين»، أَيْ: لَمْ يَكُنْ مُصَدِّقًا بِالْبَعْثِ, وَمَنْ لَمْ يُصَدِّق بِهِ كَافِر وَلَا يَنْفَعهُ عَمَل«(9)

قَالَ الْقَاضِي عِيَاض -رَحِمَهُ الله تَعَالَى-: «وَقَدْ اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْكُفَّار لَا تَنْفَعهُمْ أَعْمَالهمْ، وَلَا يُثَابُونَ عَلَيْهَا بِنَعِيمٍ وَلَا تَخْفِيف عَذَاب, لَكِنَّ بَعْضهمْ أَشَدّ عَذَابًا مِنْ بَعْض بِحَسَبِ جَرَائِمهمْ.

قَالَ الْعُلَمَاء: وَكَانَ اِبْن جُدْعَانَ كَثِير الْإِطْعَام، وَكَانَ اِتَّخَذَ لِلضِّيفَانِ جَفْنَة يُرْقَى إِلَيْهَا بِسُلَّمٍ، وَكَانَ مِنْ بَنِي تَمِيم بْن مُرَّة أَقْرِبَاء عَائِشَة ل, وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاء قُرَيْش, وَاسْمه عَبْد الله، وَالله أَعْلَم«(10)

وقال تعالى: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(11) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [آل عمران:28]

(2)   المرجع السابق (12/313).

(3) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة، برقم: (221).

(4) مسند أحمد، برقم: (14349).

(5) [المائدة:72]

(6) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا، برقم: (4477).

(7) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي غ، برقم: (7373).

(8) صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه، برقم: (214).

(9) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الأول، (3/87).

(10) المرجع السابق.

(11) [الزمر:65]