بحث عن بحث

الوقفة الخامسة (7-10)

في قوله صلى الله عليه وسلم: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله

وقال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ . وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ(1) .

بل إن زعيمهم الأكبر لا يعترف بعرفانهم الجميل له، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّـهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(2) .

وهكذا ديدنه دائماً كما حكى القرآن عنه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّـهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ(3) .

كما خدع المشركين يوم بدر، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّـهَ ۚ وَاللَّـهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ(4) .

قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: «أمدَّ الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة؛ فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة من الملائكة مجنبة، وميكال في خمسمائة من الملائكة مجنبة، وجاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، فلما اصطف القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره، ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال: يا رب! إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً. فقال جبريل: خذ قبضة من التراب، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل عليه السلام إلى إبليس، فلما رآه كانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع إبليس يده ثم ولى مدبراً وشيعته، فقال له الرجل: يا سراقة ألم تزعم أنك جار لنا، قال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون«(5).

فالله الله أن يجركم الشيطان إلى الصداقة بالقرناء السوء، والتعلق بهم، والتجرؤ على حرمات الله، فإن الله يغار على أن تنتهك حرماته، كما جاء في حديث أبي هريرة: أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ الله يَغَارُ وَغَيْرَةُ الله أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللهُ«(6).

فالمغبون من وقع في حبائل الشيطان وشركه فخسر الدنيا والآخرة، والمعصوم من عصمه الله من شياطين الإنس والجن، ومن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فحاز برضا الله والجنات العلى.

وما أحسن قول الشاعر:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه *** هذا لعمري في القياس بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته *** إن المحب لمن يحــب مطيـع

فلينتبه المسلم غاية التنبه لئلا يقع في هذه المحبة الجائرة، فيسقط ويهوي من حيث يشعر أو لا يشعر، فيندم ولات ساعة مندم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الأعراف:38 – 39]

(2) [إبراهيم:22]

(3) [الحشر:16]

(4) [الأنفال:48]

(5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الغيرة، برقم: (5223)، ومسلم في التوبة، باب غيرة الله وتحريم الفواحش، برقم: (2761).

(6) ذكره القرطبي في تفسيره: الجامع لأحكام القرآن، المجلد الرابع، (8/ 26).