بحث عن بحث

الوقفة الخامسة (5-10)

في قوله صلى الله عليه وسلم: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله

7-الوفاء والإخلاص له:

معنى الوفاء: الثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه، وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه وأقاربه والمتعلقين به. كما جاء في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان وفيًّا لخديجة حتى بعد وفاتها، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «ذَكَرَ رَسُولُ الله ًصلى الله عليه وسلم يَوْمًا خَدِيجَةَ، فَأَطْنَبَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهَا، فَأَدْرَكَنِي مَا يُدْرِكُ النِّسَاءَ مِنْ الْغَيْرَةِ، فَقُلْتُ: لَقَدْ أَعْقَبَكَ اللهُ يَا رَسُولَ الله مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ، قَالَتْ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم تَغَيُّرًا لَمْ أَرَهُ تَغَيَّرَ عِنْدَ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ، أَوْ عِنْدَ الْمَخِيلَةِ حَتَّى يَعْلَمَ رَحْمَةٌ أَوْ عَذَابٌ«(1).

وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على عائشة بقوله: «ما أَبْدَلَنِي الله خَيْرًا مِنْهَا، آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاس» وفي رواية عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا، فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ، قَالَتْ: فَغِرْتُ يَوْمًا، فَقُلْتُ: مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا، قَالَ: «مَا أَبْدَلَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ«(2).

هذا الوفاء له مقتضيات ينبغي أن يقوم بها، ومن أهمها حاجاته بعد الموت، وحاجات أولاده، ورد جميله، ومراعاة أصحابه وخلانه.

8- مراعاة الحقوق العامة للمسلمين التي ذكرت في الأحاديث:

مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ«(3).

أيضاً: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا. وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ«(4).

فهذه الحقوق العامة، وهذه الحرمة المؤكدة للمال والعرض والدم ثابتة بعقد الإسلام، وهي تزداد تأكداً وتوثقاً في حق الإخوة والأصحاب.

      خامساً: البغض في الله:

ومن لوازم الحب في الله البغض فيه؛ لأن المؤمن يحب أخاه لإيمانه بالله ولامتثال أوامره، فإذا ارتد صاحبه عن الإيمان، أو وقع في المعاصي؛ فإن علاقته به تنقلب إلى العداوة والبغضاء له. وقد حثت الأحاديث على هذا الأمر، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله«(5).

أيضاً: «أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله عز وجل«(6).

أيضاً: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لله، وَأَبْغَضَ لله، وَأَعْطَى لله، وَمَنَعَ لله؛ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ«(7).

وهذا البغض لا يتجه إلى ذات الإنسان، وإنما لما يحمل من الكفر، أو المعصية، فإذا انتفى الكفر، أو انتفت المعصية زال هذا الكره والبغض، وهو يتجزأ بحسب قوة المعصية، وعظمها، والاستمرار عليها، وبحسب ما وصل إليه من الكفر، فليس العصاة والكفرة على درجة واحدة.

وهذا أيضا لا يعني عدم التعامل بالحسنى، والمخالقة الطيبة، فهذا التعامل لا يتعارض مع الكره الإيماني فذاك في التعامل، ويندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا(8)  وقول النبي صلى الله عليه وسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» قَالَ أَبُو عِيسَى: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ«(9).

والكره الإيماني يندرج تحت قوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَـٰئِكَ حِزْبُ اللَّـهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(10) .

وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(11) .

وغيرها من الآيات كثيرة. وكذلك يندرج تحت هذا الحديث الذي نحن بصدده.

وعندما نقول الكره الإيماني فلا يتنافى مع الحب الغريزي ولو مع اختلاف الدين؛ كمحبة الوالد لولده والعكس، ومحبة الزوج لزوجته الكافرة التي من أهل الكتاب، فهذا حب غريزي ليس هو المقصود في هذا الباب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد، برقم: (24684).

(2) مسند أحمد، برقم: (24343).

(3) صحيح مسلم، كتاب السلام، باب: من حق المسلم على المسلم رد السلام، برقم: (2162).

(4) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، برقم: (2564).

(5) رواه البيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الألباني في صحيح الجامع: (2009).

(6) رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم: (2539).

(7) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، برقم: (4681) وصححه الألباني في الصحيحة: (380) وصحيح الجامع: (5965).

(8) [البقرة:83]

(9) جامع الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس، برقم: (1987).

(10) [المجادلة:22]

(11) [المائدة:51]