بحث عن بحث

الوقفة الرابعة (13-17)

في قوله صلى الله عليه وسلم: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما

      تاسعاً: نماذج حية لمحبة الله والرسول من حياة الصحابة:

لقد تمثل الصحابة ي محبة النبي صلى الله عليه وسلم غاية التمثل في مشاهد عظيمة، وسير جليلة، نعرض لبعض نماذج عطرة منها؛ فمن ذلكم:

1-نشأت الصداقة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه قبل البعثة، ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوَل من استجاب له من رجال قومه، الذي بادر دون تلعثم باتباع صديقه، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما عرضت الإسلام على أحد إلا كانت له كبوة إلا أبو بكر، فإنه لم يتلعثم في قوله«(1).

وقد ضرب أبو بكر الصديق رضي الله عنه أروع الأمثلة في حب الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد قام بمواقف جليلة عندما وقعت الهجرة، حيث آثره على نفسه عند المهالك. وقد صور القرآن هذا الموقف العجيب الفريد في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّـهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّـهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّـهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(2) .

قال الشعبي: «عاتب الله عز وجل أهل الأرض جميعًا في هذه الآية غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه»(3).

وقال البغوي أيضًا: «وروي أنه حين انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار جعل يمشي بين يديه ساعة، ومن خلفه ساعة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك يا أبا بكر؟ قال: أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، فلما انتهيا إلى الغار، قال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الغار، فدخل فاستبرأه، ثم قال: انزل يا رسول الله فنزل. قال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر»(4).

ومن أروع القصص من حياته ما حدث في غزوة تبوك، يقول زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: «أَمَرَنَا رَسُولُ الله غ أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالًا، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، قَالَ: فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ الله غ: مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ قُلْتُ: مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ! مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمْ الله وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: وَالله لَا أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا». قَالَ: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»(5).

وكذلك روي عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «والذي بعثك بالحق! لإسلام أبي طالب كان أقر لعيني من إسلامه - يعني: أباه أبا قحافة- وذلك أن إسلام أبي طالب كان أقر لعينك»

ونحوه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للعباس رضي الله عنه: «أن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب؛ لأن ذلك أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم»(6).

لذلك قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ إِلَّا خُلَّةَ الْإِسْلَامِ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ»(7).

وكذلك قصة عمر ا كما جاء عن عَبْدَ الله بْنَ هِشَامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله! لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ وَالله لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الْآنَ يَا عُمَرُ»(8).

3-وكذلك قصة عثمان ا في غزوة تبوك كما روى عَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ غ بِأَلْفِ دِينَارٍ، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ وَاقِعٍ: وَكَانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِي: فِي كُمِّهِ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَيَنْثُرُهَا فِي حِجْرِهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ غ يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ وَيَقُولُ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ» مَرَّتَيْنِ، قَالَ أَبُو عِيسَى: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْه»(9).

4-  وكذلك قصة علي عند الهجرة حيث نام على فراش النبي صلى الله عليه وسلم. وسئل كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: «كان والله أحب إلينا من أموالنا، وأولادنا، وآبائنا، وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ»(10).

5-ولما احتضر بلال ا نادت امرأته: «واحزناه»! فقال: «واطرباه! غداً ألقى الأحبة محمداً وحزبه»(11)

6-وأما طلحة بن عبيد الله فقد كان من المدافعين عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وكان يمسك الرماح على يده حتى صارت كالغربال وشلت.

كما جاء في الحديث: عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُجَوِّبٌ بِهِ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ، وَكَانَ أَبُوطَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ الْقِدِّ، يَكْسِرُ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الْجَعْبَةُ مِنْ النَّبْلِ فَيَقُولُ: انْشُرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ، فَأَشْرَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: يَا نَبِيَّ الله! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُشْرِفْ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ»(12)

أيضاً: عَنْ قَيْسٍ قَالَ: «رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّاءَ، وَقَى بِهَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ»(13)

7-وأيضاً ما جاء عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ: كَانَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم دِرْعَانِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَنَهَضَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَأَقْعَدَ طَلْحَةَ تَحْتَهُ فَصَعِدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الصَّخْرَةِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَوْجَبَ طَلْحَةُ» قَالَ أَبُو عِيسَى: «وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ»(14)

قال صاحب التحفة: «قَوْلُهُ: «أَوْجَبَ طَلْحَةُ» أَيْ الْجَنَّةَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أَثْبَتَهَا لِنَفْسِهِ بِعَمَلِهِ هَذَا أَوْ بِمَا فَعَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ, فَإِنَّهُ خَاطَرَ بِنَفْسِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَفَدَى بِهَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وَجَعَلَهَا وِقَايَةً لَهُ حَتَّى طُعِنَ بِبَدَنِهِ، وَجُرِحَ جَمِيعُ جَسَدِهِ، حَتَّى شُلَّتْ يَدُهُ بِبِضْعٍ وَثَمَانِينَ جِرَاحَةً. كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ»(15)

8-وكان خالد بن معدان الكلاعي لا يأوي إلى فراش إلا هو يذكر من شوقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار يسميهم، ويقول: «هم أصلي وفصلي، وإليهم يحن قلبي، طال شوقي إليهم، فعجل ربي قبضي إليك»، حتى يغلبه النوم(16)

9-وعن ابن إسحاق: أن امرأة من الأنصار قتل أبوها، وأخوها، وزوجها يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت: «ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم »؟ قالوا: «خيراً هو بحمد الله كما تحبين»، قالت: «أرنيه حتى أنظر إليه»، فلما رأته قالت: «كل مصيبة بعدك جلل»(17)

فهذه بعض النماذج الرائعة من حياة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فحري بنا أن نقتدي بهم.

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبـه بـالكـرام فلاح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه رزين، والديلمي بمعناه في مسـند الفردوس عن ابن مسعود ا، ينظر: جامع الأصول لابن الأثير (8/ 585).

(2) [التوبة:40]

(3) معالم التنزيل للبغوي (2/ 282).

(4) المرجع السابق (2/283).

(5) جامع الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر وعمر، برقم: (3675).

(6) كتاب الشفا للقاضي عياض (2/22).

(7) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب هجرة النبي غ وأصحابه، برقم: (3904).

(8) صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي غ، برقم: (6632).

(9) جامع الترمذي، كتاب المناقب، باب في مناقب عثمان ا , برقم: (3701).

(10) الشفا لعياض (2/ 22).

(11) المرجع السابق (2/ 23).

(12) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب مناقب أبي طلحة، برقم: (3811).

(13) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب: (إذ همت طائفتان منكم)، برقم: (4063).

(14) جامع الترمذي، كتاب الجهاد، باب ما جاء في الدرع، برقم: (1692).

(15) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، للمباركفوري، (3 / 27- 28) (طبعة هندية).

(16) كتاب الشفا للقاضي عياض، (2/21).

(17) المرجع السابق، (2/22).