بحث عن بحث

الوقفة الرابعة (9-17)

في قوله صلى الله عليه وسلم: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما 

وكتب السير والحديث والتاريخ مليئة بقصصهم، فإليكم بعض النماذج المشرقة:

1- ما ذكر من خصال حميدة عن أفضل البشر بعد الأنبياء أبي بكر الصديق ا، لكماله في محبة الله ورسوله، وتسابقه في الخيرات، وجمعه بين الأعمال الصالحة المنوعة، كما جاء في هذا الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: «أَنَا». قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: «أَنَا». قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: «أَنَا». قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: «أَنَا». فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ«(1).

2-وكما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عن محبة علي الله ولرسوله يوم خيبر، فعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ رضي الله عنه تَخَلَّفَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي خَيْبَرَ وَكَانَ بِهِ رَمَدٌ؛ فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا فِي صَبَاحِهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ، أَوْ قَالَ: لَيَأْخُذَنَّ غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، أَوْ قَالَ: يُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْهِ» فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ وَمَا نَرْجُوهُ، فَقَالُوا: هَذَا عَلِيٌّ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ؛ فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ(2).

3-وقصة سعد الربيع مع عبد الرحمن بن عوف حين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، كما روى البخاري عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ، فَآخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ وَأُزَوِّجُكَ، قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا، فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ، فَمَكَثْنَا يَسِيرًا أَوْ مَا شَاءَ اللهُ، فَجَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَهْيَمْ»؟ قَالَ: يَا رَسُولَ الله تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالَ: «مَا سُقْتَ إِلَيْهَا»؟ قَالَ: نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ«(3).

4-وقصة أبي طلحة وتصدقه بحديقته بيرحاء، كما روى البخاري عن أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه يَقُولُ: «كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ(4) ؛ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ الله غ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ الله، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ الله حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ»، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «بَخٍ! ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ.. ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ» فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ الله، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ(5).

5-وقصة صهيب عند الهجرة، حيث ترك جميع ماله عند المشركين، ولحق بالنبي غ بالمدينة, كما ذكر ابن هشام عن أبي عثمان النهدي، أنه قال: بلغني أن صهيباً حين أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكاً حقيراً فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. قال: فإني جعلت لكم مالي، قال: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب«(6).

6-وقصة أبي سلمة عند الهجرة، حيث ترك زوجته وابنه وهاجر إلى المدينة، كما روى ابن إسحاق بسنده عن أم سلمة ل قالت: «لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رَحَّل لي بعيره، ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة ابن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه، علام نتركك تسير بها في البلاد، قالت: فنزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه، قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة، قالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها؛ إذ نزعتموها من صاحبنا، قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، قالت: ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني، قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريباً منها حتى مر بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة، فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها، قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، قالت: ورَدَّ بنو عبد الأسد إليَّ عند ذلك ابني، قالت: فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، قالت: وما معي أحد من خلق الله، قالت: فقلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار، فقال لي: إلي أين يا بنت أبي أمية؟ قالت: فقلت: أريد زوجي بالمدينة، قال: أوما معكِ أحد؟ قالت: فقلت: لا والله، إلا الله وبني هذا، قال: والله مالكِ من مترك، فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلًا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت عنه استأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى إلى الشجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله، ثم استأخر عني فقال: اركبي. فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه، فقاد بي حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلًا - فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعاً إلى مكة، قال: فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحباً قط أكرم من عثمان بن طلحة«(7).

7-وكذلك قصة بلال وخباب وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين؛ الذين افتتنوا من الكفار لأجل الإيمان، وأوذوا في سبيله أشد أنواع الإيذاء، ومع ذلك لم يتركوا الدين، وهذا إن دل على شيء دل على ثباتهم في محبة الله، والرضا لدينه ولرسوله.

فهذه النماذج الرائعة تدلنا مدى حرص الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على محبة الله ورسوله، وتسابقهم في القيام بأوامر الشريعة، وكذلك من جاء بعدهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم قد ضربوا أروع المثل في هذا الباب، وكتب السير والتاريخ مليئة بقصصهم الرائعة. كيف لا وقد ذاقوا طعم الإيمان وحلاوته، فحصلوا على السرور والاطمئنان الذي لا يوصف، كما ذكر الإمام ابن القيم عن بعض السلف قولهم: «إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب«

وقال آخر: «إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيها طربًا بأنسه بالله وحبه له«

وقال آخر: «مساكين أهل الغفلة، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها«

وقال آخر: «لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف«(8).

فهؤلاء هم عباد الله حقًا الذين أتوا بواجب العبودية؛ لأن حقيقة العبودية: الحب التام، مع الذل التام، والخضوع للمحبوب، فلا عبودية إلا عبودية أهل المحبة الخالصة، فأولئك هم الفائزون بشرف الدنيا والآخرة، وأولئك لهم الأمن وهم مهتدون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب من جمع الصدقة وأعمال البر، برقم: (1028).

(2) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما قيل في لواء النبي غ، برقم: (2970) وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب ا، برقم: (2407).

(3) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب ما جاء في قول الله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ)، برقم: (2049).

(4) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب، برقم: (1461) وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج، برقم: (998).

(5) [آل عمران:92]

(6) السيرة النبوية لابن هشام (2/ 75).

(7) المرجع السابق (2/ 69).

(8)إغاثة اللهفان (2/ 194)، باختصار.