بحث عن بحث

الوقفة الرابعة (8-17)

في قوله صلى الله عليه وسلم: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما 

      سادساً: آثار محبة الله للعبد:

لمحبة الله تعالى أثر عظيم بينها النبي صلى الله عليه وسلم، فيما جاء في الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: إِنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ. وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ الله يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ«(1).

أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الله قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ استعاذني لأعيذنه، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ«(2).

فمن هذين النصين يتبين أن من أهم آثار محبة الله للعبد:

1-محبة الملائكة له.

2-ومحبة أهل الأرض له.

3-ورعاية الله تعالى وعنايته وحفظه له.

4-استجابة دعائه وإعطاؤه سؤله.

5-توفيقه له في هذه الحياة وتسديده.

6-طمأنينة قلبه، وانشراح صدره، وأمن في نفسه وأهله وماله.

      سابعاً: شيء من أحوال السلف في باب المحبة:

إن محبة الله غالية، وهي الغاية القصوى من المقامات، التي شمر لها السابقون أزرهم، وشدوا مئزرهم، وقد اهتم بها السلف الصالح أيما اهتمام، يقول ابن القيم :: «وأما محبة الرب سبحانه فليس عند القلوب السليمة، والأرواح الطيبة، والعقول الزاكية، أحلى ولا ألذ، ولا أطيب، ولا أسر، ولا أنعم من محبته والأنس به، والشوق إلى لقائه، والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتم من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذة«(3).

ولا شك أن كل مؤمن ومؤمنة يجد في قلبه لذة بمحبة الله تعالى، وإن كانوا متفاوتين فيها، كما يقول ابن القيم: «وما من مؤمن إلا وفي قلبه محبة لله تعالى وطمأنينة بذكره، وتنعم بمعرفته، ولذة وسرور بذكره، وشوق إلى لقائه، وأنس بقربه، وإن لم يحس به لاشتغال قلبه بغيره. وقوة ذلك وضعفه وزيادته ونقصانه هو بحسب قوة الإيمان وضعفه وزيادته ونقصانه«(4).

وإن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم له المثل الأعلى في هذا الباب، حيث كان قلبه ممتلئًا بمحبته سبحانه تعالى، كما جاء في الحديث أنه كان يدعو بهذا الدعاء المبارك: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي، وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ». قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا» قَالَ أَبُو عِيسَى: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيل عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ«(5).

وكما ذكر عن دعاء داود عليه السلام،عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، وَأَهْلِي، وَمِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ»، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَكَرَ دَاوُدَ يُحَدِّثُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَ أَعْبَدَ الْبَشَرِ» قَالَ أَبُو عِيسَى: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريب«(6).

ولذلك كان يجتهد في العبادة ما لا يجتهد في غيرها، فكان يقوم بالليل حتى يتورم قدماه، ويقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً»؟ كما جاء في الحديث: عن زياد أنه سَمِعَ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ: قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا«(7).

وكذلك الصحابة قد ضربوا أروع المثل في محبة الله تعالى، فقد بذلوا كل غال ونفيس في محبته تعالى، وتركوا الأوطان والدور لأجله، وضحوا بالنفس والأهل والولد والمال في سبيله، قال تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿٨﴾ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّـهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا(8) . وقال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(9).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدا، برقم: (2637)، واللفظ له، وصحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب كلام الرب تعالى مع جبريل، برقم:(7485).

(2) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، برقم: (6502).

(3) إغاثة اللهفان (2/ 194)، باختصار.

(4) إغاثة اللهفان (2/195-196).

(5) جامع الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة ص، برقم: (3235).

(6) جامع الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في عقد التسبيح باليد، برقم: (3490).

(7) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، برقم: (4836)، وصحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، برقم: (2819).

(8) [الإنسان:8-9]

(9) [الحشر:9]