بحث عن بحث

الوقفة الرابعة (3-17)

في قوله صلى الله عليه وسلم: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما 

      رابعًا: المحبة على طرفين:

إن المحبة على طرفين: طرف محبة العبد لربه، وطرف محبة الرب لعبده.

قال ابن القيم: وجميع طرق الأدلة -عقلًا ونقلًا وفطرة وقياسًا واعتبارًا وذوقًا ووجدًا- تدل على إثبات محبة العبد لربه، والرب لعبده.

الأدلة على محبة العبد لربه:

قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّـهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّـهِ(1)

فأخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئًا كما يحب الله تعالى؛ فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا، فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحدًا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية بخلاف ند المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادًا في الحب والتعظيم؛ لذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّـهِ(2)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة، ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له«

وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى: ﴿ تَاللَّـهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿٩٧﴾ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ(3) . ومعلوم أنهم لم يسووهم برب العالمين في الخلق والربوبية وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم.

وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ(4) . وهي تسمى آية المحبة.

قال أبو سليمان الداراني: «لما ادعت القلوب محبة الله أنزل الله لها محنة: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّـهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(5)

فقد أثبتت المحبة من طرفين محبة العبد لله، ومحبة الله للعبد.

وجاء في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ؛ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ«(6)

فقد اشتمل هذا الحديث الشريف على ثبوت لذة النظر إلى وجه الله، وعلى ثبوت الشوق إلى لقائه.

وأيضًا: عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بـ ﴿ قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ(7) ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ»، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ«(8).

وأيضاً عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، وَأَهْلِي، وَمِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ،» قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَكَرَ دَاوُدَ يُحَدِّثُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَ أَعْبَدَ الْبَشَرِ» قَالَ أَبُوعِيسَى: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ«(9).

فتبين من هذا: أن العبد يجب عليه أن يحب ربه على ما جاء في النصوص السابقة، ويسأل ربه أن يبلغه إياها، ويعمل من أجل الحصول عليها مرسخاً لها في قلبه، مجاهداً لنفسه حتى لا يزيغ عنها حال فتور أو ضعف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [البقرة:165]

(2) [البقرة:165]

(3) [الشعراء:98]

(4) [آل عمران:31]

(5) [المائدة:54]

(6) سنن النسائي، كتاب السهو، باب: نوع آخر، برقم: (1305)، ومسند أحمد، برقم: (17861).

(7) [الإخلاص:1]

(8) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي غ، برقم: (7375)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، برقم: (813).

(9) جامع الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في عقد التسبيح باليد، برقم: (3490).