بحث عن بحث

الوقفة الرابعة (3-17)

في قوله صلى الله عليه وسلم: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما 

      ثالثًا: أهمية محبة الله ومنزلتها:

قال الإمام ابن القيم :: «منزلة المحبة هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمَّر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى مقامات لم يكونوا بدونها أبدًا واصليها، وتبوءهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائمًا إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة؛ إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة: «أن المرء مع من أحب», فيا لها من نعمة على المحبين سابغة«(1).

وقال أيضًا: «إن محبة الله سبحانه، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والرضا به وعنه، أصل الدين وأصل أعماله وإرادته... ومحبته تعالى، بل كونه أحب إلى العبد من كل ما سواه على الإطلاق من أعظم واجبات الدين، وأكبر أصوله، وأجلِّ قواعده، ومن أحب معه مخلوقا مثل ما يحبه فهو من الشرك الذي لا يغفر لصاحبه، ولا يقبل معه عمل، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّـهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّـهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّـهِ(2) (3)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فمن أحب مخلوقًا مثل ما يحب الله فهو مشرك، ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله«(4).

وقال أيضًا: «ولهذا كان أهل التوحيد والإخلاص أكمل حبًا لله من المشركين الذين يحبون غيره، الذين اتخذوا من دونه أندادًا يحبونهم كحبه«(5).

وقال ابن القيم: «أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئًا كما يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا؛ فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحدًا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند بخلاف ند المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادًا في الحب والتعظيم(6).

وقد جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ«(7).

ومن هذا يجب أن نعلم أن محبة الله تعالى أعلا درجات العبودية له سبحانه، فيقدمها على جميع المحاب من والد، وولد، وزوجة، وصديق، وجاه، ومال، وغيرها، فيعبد الله تعالى محباً له، هذه المحبة التي تتطلب الذل والخضوع والطاعة والانقياد له سبحانه، ويظهر هذا على تعبده له جل وعلا في صلاته وصيامه، وإنفاقه، وحجه وعمرته، ودعائه واستغاثته، وبره وإحسانه، ومعاملاته كلها.

وعليه: فلا يجوز أن يساوي محبة غيره بمحبته جل وعلا، بل هذا من الشرك به سبحانه، كما سبق نقله عن الأئمة امتثالاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّـهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّـهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّـهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّـهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ(8)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مدارج السالكين لابن القيم: (3/6-7).

(2) [البقرة:165]

(3) إغاثة اللهفان (2/192-193).

(4) الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، (15/49).

(5) الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، (17/144).

(6) التفسير القيم (ص140).

(7) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، برقم: (2985).

(8) [البقرة:165]