بحث عن بحث

أهم مظاهر الانحراف في منهج التلقي وآثاره (3-5)

ثالثًا: تأويل النصوص على غير حقيقتها:

لقد كان منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم منهجًا واضحًا في تلقي التشريع من مصادرها، وكانوا لا يتكلفون ولا يخرجون عن جادة الطريق في سبيل الخوض في معرفة أمور غير مطلوب منهم شرعًا، لذا جاءت أحكامهم صحيحة وسليمة تتلقى القبول من فئات الناس جميعها، إلا أن هذا المنهج إذا اعتراه سبل أخرى للتلقي فإنه يحيد به عن صوابه وستنتج عنه أحكام وآثار تدخل الناس في الاختلاف والافتراق، كما هي الحال في قضية تأويل نصوص التشريع على غير ظاهرها، وقد صبغ به منهج الخوارج والمعتزلة في الماضي فشرخوا صف هذه الأمة ومزقوها فرقًا وأحزابًا لا تزال الأمة تعاني من آثارها، ولا تزال طائفة من الناس تنتهج هذا المنهج في تلقي التشريع من مصادرها وذلك بوضع النصوص الشرعية تحت مجهر العقل والمنطق البشري القاصر، كما هي حال المدرسة العقلية التي ظهرت متأخرًا، ونسيَ هؤلاء أو تناسوا أن صحابة رسول الله ﷺ كانوا أشد الناس حرصًا على هذا الدين ومعرفة أحكامه ولكنهم كانوا يخافون أن يخوضوا في مسائل تجلب إليهم الضرر والفرقة، امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّـهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّـهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ(1).

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ على المنبر ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(2) فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا هو الكَلَف يا عمر(3).

ويقول ابن عباس رضي الله عنه: «كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يتخاصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها«(4).

رابعًا: انعزال الناس عن العلماء وعدم الاختلاط معهم:

وهذا يولد الجفوة العلمية في الحياة، فليجأ الناس حينها إلى الكتب والأشرطة وفتاوى طلبة العلم الصغار وكذلك أخذ الفتاوى والأحكام التشريعية من أناس لا يُعرف عنهم العلم والفتوى وغيرها كما يحدث لكثيرين من الناس من أخذ فتاويهم عبر الفضائيات من طلبة العلم أو ربما من أفراد لم يصلوا بعد إلى درجة الفتوى والاجتهاد، وكذلك أخذ البعض فتاويهم عبر غرف المحادثة الصوتية وبعض المواقع العامة من الانترنت، وهذه كلها مظاهر خطيرة وخلل كبير في منهج تلقي التشريع والأحكام من مصادرها الأصلية، ومن أجل ذلك يجب على العلماء والمجتهدين والمفتين أن ينزلوا إلى ميادين الناس ويستمعوا إليهم ويعايشوا مشكلاتهم وأحوالهم، ويزيلوا الحواجز بينهم وبين الناس، كما كان يفعل عليه الصلاة والسلام مع الصحابة رضوان الله عليهم، وكان يقول لصحابته: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم«(5).

وإن ظهور تلك الجموع من العلماء في جميع الفنون والعلوم كان نتيجة عرى العلاقة الوثيقة بين العلماء والمجتمع من حولهم من جهة، ومن جهة أخرى العلاقة الوطيدة بين هؤلاء العلماء والذين تتلمذوا على أيديهم ونهلوا من معين أفكارهم واجتهاداتهم، حيث ساهم هذا الأمر في إثراء الفقه الإسلامي بالأحكام والتشريعات المختلفة التي تناسب النوازل المستجدة والقضايا المستحدثة، مما ميّز هذا الدين بمرونته وصلاحيته لكل زمان ومكان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة، الآيتان 101-102.

(2) سورة عبس، الآية 31.

(3) الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، 2/ 382.

(4) المرجع السابق، 2/383.

(5) سنن ابن ماجه، برقم 4032، ص582.