بحث عن بحث

أهم مظاهر الانحراف في منهج التلقي وآثاره (1-5)

إن منهج التلقي من مصادره الأصلية قد يصيبه خلل أو يعتريه انحراف فيخرجه عن مساره ويؤدي بمتبعه إلى مصادر أخرى غير المتفق عليها، ومعلوم ما لهذا الأمر من خطر كبير يهدد أصول الدين وثوابته، ولعلنا نذكر بعض المظاهر التي تؤدي إلى الخلل في منهج التلقي، وهي:

أولاً : الخلط بين مصادر التلقي وغيرها:

إن التلقي الصحيح هو الذي انتهجه سلف هذه الأمة في عصورها الأولى وتبعهم في ذلك المتأخرون من العلماء والمجتهدين، ولم يخرجوا عن ضوابط التلقي التي حددها السلف، كما أشير إليها سابقًا في توثيق السنة والشروط والمواصفات الدقيقة التي ينبغي أن تتصف بها الرواية حتى يؤخذ بها، ولكن ظهرت مع هذا المنهج الصحيح مناهج أخرى اعتمدت على مصادر أخرى لتلقي التشريع وأحكام الدين، حتى صارت عندهم بمثابة مصادر أصلية لها الأولوية في أخذ العلم والتشريع منها، ومن هذه المصادر على سبيل المثال لا الحصر ما اعتمدته الصوفية التي ألبست المصادر الحقيقية من الكتاب والسنة غطاء وجدانيًا وفلسفيًا انحرفت بها عن الصراط السوي، وأودت بها إلى الشرك والتضليل، ومن بين هذه المصادر ما يلي:

 - الكشف: «هو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية، والأمور الحقيقية وجودًا أو شهودًا«(1).

- الذوق: «هو نور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه يفرقون به بين الحق والباطل، من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب«(2).

- الوجد: «رفع الحجاب، ومشاهدة الرقيب، وحضور الفهم، وملاحظة الغيب، ومحادثة السر، وإيناس المفقود، وهو فناؤك من حيث أنت«(3).

- البصيرة: هي الملكة التي ترى حقائق الأشياء وبواطنها، كما يرى البصر ظواهر الأشياء المادية، وهي مورد الإلهام وموطن الإشراق، ومصدر الكشف والذوق(4).

وبهذا لما انحرفت عن المنهج الصحيح وصلت إلى الضلال والتخبط وعدم الاستقرار.

ثانيًا: تلقي علوم الدين من غير أهله:

إن تلقي التشريع من مصادره لا بد أن يكون من خلال علماء ربانيين معروفين بعلمهم وصلاحهم واستقامتهم، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(5) لأن التلقي عن طريق غيرهم يحدث خللاً وارتباكًا لدى الأمة، ويجعلها تتخبط في الأحكام والتشريعات المختلفة والمتناقضة بالوقت نفسه، وربما يؤدي هذا العمل إلى ظهور أفراد يشرعون ويحللون ويحرمون من غير علم ولا هدى ولا بصيرة، وهذا ما حذر منه عليه الصلاة والسلام حين قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا«(6).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التعريفات، علي بن محمد الجرجاني، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، ص184.

(2) معجم مصطلحات الصوفية، عبدالمنعم الحفني، ص104.

(3) اللمع، لأبي نصر السراج الطوسي، ص302.

(4) معجم مصطلحات الصوفية، ص35([1]) سورة النحل، الآية 43.

(5) صحيح البخاري، برقم100، ص23.