بحث عن بحث

ثانيًا: الســـــنـة (3-9)

      توثيق هذا المصدر وحفظه:

يمكن أن نوجز الحديث عن توثيق هذا المصدر وتدوينه في ثلاث مراحل، وهي:

المرحلة الأولى: عصر الرسول ﷺ:

نهى رسول الله ﷺ في أول الأمر أن يكتب الصحابة السنة حتى لا يختلط القرآن بالسنة، فقال: «لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه»(1)، ثم سمح لبعض الصحابة بكتابتها أمثال عبدالله بن عمرو بن العاص وغيره.

المرحلة الثانية: عصر الخلفاء الراشدين:

لقد اهتم الخلفاء الراشدون بتوثيق السنة مثل اهتمامهم بالقرآن، فلم يقبل أحد منهم رواية لم يسمعها من رسول الله ﷺ إلا بوجود شهود، وهذا ما انتهجه الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، فقد:«جاءت الجدة أم الأم وأم الأب إلى أبي بكر فقالت إن ابن ابني أو ابن بنتي مات وقد أخبرت أن لي في كتاب الله حقا فقال أبو بكر ما أجد لك في الكتاب من حق وما سمعت رسول الله ﷺ قضى لك بشيء وسأسأل الناس قال فسأل الناس فشهد المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ أعطاها السدس قال ومن سمع ذلك معك قال محمد بن مسلمة قال فأعطاها السدس ثم جاءت الجدة الأخرى التي تخالفها إلى عمر قال سفيان وزادني فيه معمر عن الزهري ولم أحفظه عن الزهري ولكن حفظته من معمر أن عمر قال إن اجتمعتما فهو لكما وأيتكما انفردت به فهو لها«(2).

وهناك حوادث وأحوال للخلفاء الآخرين رضي الله عنهم التمسوا فيها شهودًا للتثبت من الأحاديث، والمقام يطول لذكرها(3). ولكن بقيت السنة النبوية محفوظة في هذه المرحلة بسبب هذا التمحيص والتدقيق من الصحابة رضوان الله عليهم.

المرحلة الثالثة:  عصر التابعين وما بعدهم:

لقد بدأ تدوين الحديث وتوثيقه بصورة أوسع في هذا العصر، لاسيما بعد أن ظهرت بوادر الوضع في الحديث، فكتب الخليفة عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه إلى عمّاله يأمرهم بكتابة الحديث خوفًا من ضياعه قائلاً: «انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء» وكان من الذين كلفهم بذلك الإمام شهاب الزهري رحمه الله تعالى، وبعدها بدأت حركة تدوين السنة وتمحيصها وتدقيقها، حتى صار علمًا وعملاً خاصًا تفرغ لها العلماء والمختصون، وظهرت مصنفات بهذا الخصوص، مثل: «زهر التصنيف في جمع الحديث» الذي ضم الصحاح والسنن والمسانيد.

فكانت هذه المرحلة حافلة بالجهود العظيمة التي بذلت من أجل حفظ السنة وتوثيقها، حيث جمعت معظم الأحاديث المسند إلى النبي ﷺ، مع التفريق بين الصحيح والحسن والضعيف، كما ظهرت العناية بالأسانيد أيضًا، إضافة إلى ذلك، اهتم العلماء بكتابة أقوال الصحابة والتابعين في مصنفات منفصلة(4).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم، برقم7510، ص1297.

(2) أخرجه الترمذي، برقم2100، ص482.

(3) يراجع في ذلك كتاب «توثيق السنة» للدكتور رفعت فوزي.

(4) ينظر المرجع السابق.