بحث عن بحث

مجالات المسارعة إلى الخيرات (7-8)

      سابعًا: نصرة دين الله:

ومن أهم مجالات المسارعة إلى الخيرات: المسارعة إلى نصرة دين الله، وهو واجب على كل مسلم حسب استطاعته، وقد مدح الله سبحانه من نصر دينه بماله ونفسه فقال:{مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}(1).

ونصرة دين الله تعالى تكون بوسائل عدة، من أهمها: الجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله تعالى، وإعانة المجاهدين، وكفالة الدعاة وطلاب العلم، ونشر الكتب النافعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعليم والتربية، وغيرها.

عن أنس رضي الله عنه قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول الله! غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ! الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله! ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه{مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}إلى آخر الآية(2).

كما أن الله سبحانه قد امتدح من سارع إلى نصرة دينه وإعلاء كلمته، فقد ثبت فضل أبي بكر الصديق ا لسبق إيمانه بالله ورسوله ﷺ، ثم فضل من آمن في مرحلة الدعوة السرية، ثم فضل من آمن قبل الفتح، فبعد أن حث الله المؤمنين على الإنفاق في سبيله لنصرة دينه وإعلاء كلمته بيّن فضل من آمن ونصر دينه بماله ونفسه قبل الفتح على من فعل ذلك بعد الفتح، فقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(3).

   وقوله تعالى:{ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ}  قال ابن كثير :: «أي: لا يستوي هذا ومن لم يفعل كفعله، وذلك أن قبل فتح مكة كان الحال شديدًا فلم يكن يؤمن حينئذ إلا الصديقون، وأما بعد الفتح فإنه ظهر الإسلام ظهورًا عظيمًا ودخل الناس في دين الله أفواجًا«.

وقال ابن سعدي :: «المراد بالفتح هنا هو فتح الحديبية، حين جرى من الصلح بين الرسول وبين قريش ما هو أعظم الفتوحات التي حصل فيها نشر الإسلام، واختلاط المسلمين بالكافرين، والدعوة إلى الدين من غير معارض فدخل الناس من ذلك الوقت في دين الله أفواجا، واعتز الإسلام عزا عظيما، وكان المسلمون قبل هذا الفتح لا يقدرون على الدعوة إلى الدين في غير البقعة التي أسلم أهلها كالمدينة وتوابعها.

وكان من أسلم من أهل مكة وغيرها من ديار المشركين يؤذى ويخاف، فلذلك كان من أسلم قبل الفتح وقاتل أعظم درجة وأجرًا وثوابًا ممن لم يسلم ويقاتل وينفق إلا بعد ذلك كما هو مقتضى الحكمة، ولهذا كان السابقون وفضلاء الصحابة غالبهم أسلم قبل الفتح«.

ومن نصرة دين الله: الجهاد في سبيله بالنفس والمال، ولا يعدله ثواب إلا من واصل الصلاة والصيام دون انقطاع حتى يرجع المجاهد إلى بلده، ولا يستطيعه أحد، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ا قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: «لا أجده»، قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟» قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات(4).

والجهاد في سبيل الله دعاء للمعرضين عن الله إلى الرجوع إليه بالسيف والسنان بعد دعائهم إليه بالحجة والبرهان، فالمحب لله يحب اجتلاب الخلق كلهم إلى بابه، فمن لم يجب الدعوة باللين والرفق احتاج إلى الدعوة بالشدة والعنف: «عجب ربك من قوم يُقادون إلى الجنة بالسلاسل«(5)(6).

»إن بعض المسلمين لم يحرم نفسه من فضل الجهاد فحسب؛ بل حرم غيره منه بتخذيله وإرجافه، فإذا لم ترغب -أخي المسلم- أن تجاهد بنفسك فلا تحرم غيرك منه إذا رأيته عازمًا على جهاد أعداء الله بنفسه أو بماله، وإن كنت تخشى بارقة السيوف فلا يفُتْك على الأقل أن تجاهد بمالك وأن تدعو غيرك إلى هذا الأمر اليسير، فإن الله جل وعلا قدّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في قوله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }(7)؛ فإياك أن تكون من المخذلين عن الجهاد فتذيق الأمة ذلًا يكون في عنقك يوم القيامة، فمن لم يجاهد بنفسه أو بماله فليقل خيرًا أو ليصمت« (8).

ومن نصرة دين الله تعالى: طلب العلم ونشره، وتعلمه وتعليمه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، ويشار إليه هنا لمناسبته؛ بل إن كثيرًا من أهل العلم فضل طلب العلم على الجهاد بالسيف؛ لأن طلب العلم جهاد، ولأن الجهاد لا يصح بدون علم، ولكل أجره وبابه، ويفضل هذا أو ذاك لمناسبته وزمنه ومكانه، وكلاهما من نصرة دين الله تعالى.

ومن المسارعة إلى الخيرات: العبادة اللسانية، ومنها: حفظ اللسان عن المحرمات، واستعماله في الطاعات؛ كقراءة القرآن، والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقول كلمة الحق، والصلح بين الناس، ومن ذلك: ذكر الله تعالى، وذكره يكون بالقول ويكون بالفعل، وقد ندب الله إليه في كتابه الكريم مرارًا وحث عليه بذكر فضل الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا. وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًاهُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}(9)، وقال: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا }(10) وقال: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }(11).

وعن عبد الله بن بسر أن أعرابيًا قال لرسول الله ﷺ: إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأنبئني منها بشيء أتشبث به، قال: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله عز وجل«(12).

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سألت رسول الله ﷺ: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله«(13).

وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل عن سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله ﷺ أن رجلا سأله فقال: أي الجهاد أعظم أجرًا؟ قال: «أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرًا» قال: فأي الصائمين أعظم أجرًا؟ قال: «أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرًا»، ثم ذكر لنا الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل ذلك رسول الله ﷺ يقول: «أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرًا»، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه لعمر رضي الله تعالى عنه: يا أبا حفص! ذهب الذاكرون بكل خير، فقال رسول الله ﷺ: «أجل«(14).

ولذا كان رسول الله ﷺ يذكر الله في كل أحيانه، بل كان يستغفر في المجلس الواحد أكثر من مائة مرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الأحزاب: 23]

(2) رواه البخاري في الجهاد والسير

(3) [الحديد: 10]

(4) رواه البخاري في الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير (2785) .

(5) رواه البخاري في الجهاد والسير، باب الأسارى في السلاسل (3010) .

(6) جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي (2/279) .

(7) [الصف:9، 10]

(8) كيف تطيل عمرك الإنتاجي ص(81 ).

(9) [الأحزاب: 41-43]

(10) [الأحزاب:35]

(11) [الجمعة:10]

(12) رواه الترمذي في الدعوات، باب ما جاء في فضل الذكر (3375)، وابن ماجه في الأدب، باب فضل الذكر (3793).

(13) رواه ابن حبان في صحيحه (3/99).

(14) رواه الإمام أحمد في مسنده (3/438) .