بحث عن بحث

مجالات المسارعة إلى الخيرات (5-8)

      خامسًا: طلب العلم:

ومن أعظم مجالات المسارعة إلى الخيرات: المسارعة إلى طلب العلم والتبكير فيه، فإن السلف لم يكونوا يؤخرون تعليم أولادهم، بل كان أحدهم يلقن ولده كلمة التوحيد بمجرد أن يبدأ الطفل النطق، ثم يعلمه الصلاة والأذكار الخفيفة ويبدأ يحفظه القرآن الكريم، وهذا يشير إلى أهمية التبكير في تحصيل العلوم النافعة، وليكن الهدف وراء تحصيل العلوم مرضات الله سبحانه ورفع الجهل عن نفسه وأسرته، ثم تعليم المسلمين ما يجهلونه من أمور دينهم ودنياهم، ففي المستدرك للحاكم عن ابن عباس قال: «لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم؟ قال: فتركت ذاك وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله ﷺ، وإن كان يبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح علي من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله ﷺ! ما جاء بك؟ هلا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، قال: فأسأله عن الحديث، فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني«(1).

قال ابن مفلح نقلًا عن ابن الجوزي: «وقال أيضًا في كتاب «السر المصون»: من علم أن الدنيا دار سباق وتحصيل للفضائل، وأنه كلما علت مرتبته في علم وعمل زادت المرتبة في دار الجزاء، انتهب الزمان ولم يضيع لحظة ولم يترك فضيلة تمكنه إلا تحصلها.

ومن وُفّق لهذا فليبتكر زمانه بالعلم، وليصابر كل محنة وفقر إلى أن يحصل له ما يريد، وليكن مخلصًا في طلب العلم عاملًا به حافظًا له، فأما أن يفوته الإخلاص فذاك تضييع الزمان وخسران الجزاء، وأما أن يفوته العمل به فذاك يقوّي الحجة عليه والعقاب له، وأما جمعه من غير حفظ، فإن العلم ما كان في الصدر لا في القمطر. ومتى أخلص في طلبه دلّه على الله عز وجل... إلى أن قال: وليبعد عن مخالطة الخلق مهما أمكن خصوصًا العوام، وليصن نفسه من المشي في الأسواق فربما وقع البصر على فتنة، وليجتهد في مكان لا يسمع فيه أصوات الناس، وليزاحم القدماء من كبار العلماء والعباد منتهبًا الزمان في كل ما هو أفضل من غيره«(2).

ولماذا هذا السباق في طلب العلم؟

السباق في طلب العلم له ثمرات طيبة ونتائج جليلة، نذكر منها:

-      العلم الصحيح من ميراث النبوة، ففي الحديث عن أبي الدرداء عن رسول الله ﷺ قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر« (3).

-      وقال: «من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة«(4)

-      وقال:  «وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاءً لطالب العلم«(5)

-      وقال: «وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء«(6)

-      وقال: «فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب«(7)

-      ولأن صاحب العلم يعبد الله على بصيرة ويدعو إلى الله على بصيرة.

-      ولأن العلم سبب لرفع درجات العبد في الدنيا والآخرة.

-      ولأن العلم الصحيح يسبب خشية الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(8).

-      وقبل كل شيء فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم، ومن طلب العلم نجا عن العثرات والزلات وقد حصل على رضوان الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه الحاكم في المستدرك (1/188).

(2) الآداب الشرعية لابن مفلح (1/241 ).

(3) جزء  من حديث رواه ابن ماجه في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم (219) من حديث أبي هريرة ا مرفوعًا بلفظ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة» الحديث، ورواه الترمذي في العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة (2602)، وأبو داود في العلم، باب الحث على طلب العلم (3275)، وأحمد في مسند الأنصار (20723)، ورواه البخاري تعليقًا في كتاب العلم، باب رقم (10).

(4) المرجع السابق .

(5)   المرجع السابق.

(6) المرجع السابق .

(7) المرجع السابق.

(8) [فاطر:28]