بحث عن بحث

وقفة مع كلمات الحديث (2-3)

»الدخان»: معروف، وهو من أشراط الساعة، واختلف فيه: هل قد مضى، أم أنه من أشراط الساعة ويحدث قرب الساعة؟ فعن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة فقال: يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام. ففزعنا، فأتيت ابن مسعود وكان متكئًا، فغضب فجلس فقال: من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم، فإن الله قال لنبيه ﷺ: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} وإن قريشًا أبطؤوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي ﷺ فقال: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف»، فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد! جئت تأمرنا بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله، فقرأ: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ}إلى قوله: {عَائِدُونَ}أفيكشف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء؟ ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله تعالى: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ}يوم بدر، و{لِزَامًا}يوم بدر {الم . غُلِبَتِ الرُّومُ}(1)إلى: {سَيَغْلِبُونَ}والروم قد مضى(2).

قال العيني: «فيه خلاف فإنه روي عن ابن عباس وابن عمر وزيد بن علي والحسن أنه دخان يجيء قبل قيام الساعة، قال الحافظ ابن حجر: وهذا الذي أنكره ابن مسعود قد جاء عن علي، فأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم من طريق الحارث عن علي قال: آية الدخان لم تمض بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينفخ الكافر حتى ينفد. وقال: ويؤيد كون آية الدخان لم تمض ما أخرجه مسلم من حديث أبي شريحة رفعه: «لا تقوم السَّاعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغرِبها, والدخان, والدابَّة...»(3)الحديث»(4).

وقال النووي في شرح هذا الحديث: «هذا الحديث يؤيد قول من قال: إن الدخان يأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام، وأنه لم يأت بعد، وإنما يكون قريبًا من قيام الساعة» (5). وذكر ابن حجر أحاديث تؤيد هذا القول منها: عن حذيفة قال: يا رسول الله! وما الدخان؟ فتلا هذه الآية قال: «أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة, وأما الكافر فيخرج من منخريه وأذنيه ودبره» وذكر أحاديث، وقال: تضافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلًا»(6).

وقال العيني في العمدة: «وقال ابن دحية: الذي يقتضيه النظر الصحيح حمل أمر الدخان على قضيتين: إحداهما وقعت وكانت، والأخرى ستقع بقرب القيامة».

«الدجال»: خروجه علامة لقرب الساعة، وورد في وصفه عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان، أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج، فإما أدركن أحد فليأت النهر الذي يراه نارًا، وليغمض ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه، فإنه ماء بارد، وإن الدجال ممسوح العين، عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب»(7). ومما ورد عن الدجال في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: «ما شأنكم؟» قلنا: يا رسول الله! ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: «غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط، عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشأم والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالًا يا عباد الله فاثبتوا» قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعون يومًا؛ يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم» قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له قدره» قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟ قال: «كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرًا، وأسبغه ضروعًا، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله»(8).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الروم: 1-2]

(2) رواه البخاري في التفسير، سورة الروم (4774)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار، باب الدخان (2798) .

(3) رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة (2901) .

(4) فتح الباري (8/728).

(5) شرح النووي لصحيح مسلم (18/235) .

(6) فتح الباري (8/728).

(7) رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته (2934) .

(8) رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته (2937) .