بحث عن بحث

الوقفة الخامسة: أثر العمل الصالح في تفريج الكروب (8-12)

3 ـــ الظلــم :

الظلم ظلمات يوم القيامة كما جاء في الحديث، وهو كربة وبلاء؛ ظهر منذ أن خلق الله الإنسان نتيجة لآفات النفس ورغباتها وأهوائها؛ من الحسد والغرور والكبرياء، وكذلك الطمع والجشع، وحب الذات، وكراهية الغير، وغيرها من الأسباب، والمؤمن إذا أصابه شيء من كربة الظلم بأي شكل من أشكالها من اعتداء أو تعذيب أو أخذ حق وغيره، يجب أن يسارع إلى الله تعالى، الذي حرّم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرمًا، ليرفع عنه هذه الكربة ويبدلها فرجًا وسرورًا، وعزة وانتصارًا، بشرط أن يعاون هذا التضرع إلى الله الاجتهاد في العبادة، والإخلاص في الأعمال، وتصفية النية، وترك المعاصي، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}(1)، فعندها يقبل الله تعالى دعوته ولا يرده خائبًا، بل سيعجل له بالفرج القريب والظفر الأكيد على عدوه وظالميه، يقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام فيما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده«(2).

وقال ﷺ عندما بعث معاذًا إلى اليمن: «اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب«(3).

وإن طال الفرج أو تأخر قليلًا فلحكمة من عند الله تعالى لا يعلمها إلا هو، ربما يكون فيه خيرٌ للإنسان وذخرٌ له يوم القيامة، وربما يجعل الله تعالى سعادة هذا الإنسان المبتلى بالظلم في تلك اللحظات التي يظلم فيها ويضطهد؛ لأنه سبحانه وتعالى يلقي عليه رداء السكينة والراحة النفسية، ويزيد من إيمانه ويقينه بأمر الله، لذلك كان بعض السلف الصالح يقولون: لو علمت الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه – أي: من الراحة النفسية– لجالدونا عليه بالسيوف.

فعلى المظلوم المكروب أن يعود إلى ربه ويعمل صالحًا وسينتقم الله تعالى من الظالم ولو بعد حين؛ لأن عقوبات الظلم معجلة في الدنيا قبل الآخرة، والشواهد التاريخية والواقعية أكثر من أن تحصر، فهؤلاء رسل الله وأنبياؤه وقع عليهم ظلم من أقوامهم فانتصر الله لهم: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(4) ، ووقع على كثير من سلف الأمة ما وقع، كالإمام مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم كثير رحمهم الله، فكانوا أئمة يقتدى بأقوالهم، والذي يجب الحذر منه ألا يُرد الظلم بظلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الرعد: 11]

(2) «سنن الترمذي»، رقم(1905)، ص(445). ورواه ابن ماجه (3862)، ص(552).

(3) «صحيح البخاري»، رقم(2448)، ص(395)، و«صحيح مسلم»، رقم(19)، ص(31).

(4) [العنكبوت:: 40]