بحث عن بحث

الوقفة الثالثة: تفصيل الأعمال الصالحة في الحديث (3-3)

      ثالثًا: إعطاء الأجير حقه:

وهذا هو العمل الصالح الثالث الذي توسَّل به آخرهم إلى ربه لتنفرج الصخرة عن فتحة الغار بالكامل، وهو احتفاظه بمال أجير كان عنده واستثماره له، وهو حق من حقوق العباد التي لا يستطيع التخلص منها بالتوبة أو الاستغفار أو الدعاء، وإنما ينبغي إيصاله إلى صاحبه، أو إعفاء صاحبه عنه عن طيب نفس، فيقدم هذا الأخير بين يدي ربه هذا العمل الصالح الفاضل، ويناديه إن كان ذلك خالصًا لوجهك فافرج عنا، فيستجيب الله تعالى لندائه لأنه يعلم سابقًا أن ما عمله كان لأجله جلّ شأنه، فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون.

فتعدّ حقوق الأجير من عامل وخادم وموظف ونحوهم من المسؤوليات العظيمة التي يحاسب الإنسان عليها يوم القيامة، ولا تسقط عنه هذه المسؤولية مهما قدّم من الطاعات والعبادات، فإن هذه الحقوق ليست من حقوق الله سبحانه وتعالى وإنما هي حقوق لعباد الله، لا تُغفر له إلا إذا تنازل صاحبها عنها، وأكل حقوق الناس عامة وحقوق الأجير خاصة من الظلم الذي يكون ظلمات يوم القيامة، ويؤدي بالـمُنْكِر لهذه الحقوق أن يكون الله جل وعلا خصمه يوم القيامة، قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرامًا فأكل منه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعط أجره«(1).

وإن من المصائب الكبرى والآفات المعضلة في هذا العصر: انتشار هذا الوباء الخطير بين أبناء المسلمين أنفسهم، فليحذر أرباب الأعمال وأصحاب المؤسسات والشركات، الذين يشغِّلون عباد الله تحت أيديهم وفي مصانعهم وشركاتهم، ليحذر هؤلاء من الغدر بهم أو عدم إعطائهم حقوقهم كاملة، أو التعاقد معهم على شيء ومحاسبتهم بشيء آخر، فإن ذلك ينذر بعقوبة الله تعالى وغضبه، وينذر بفقدان البركة من الأموال، بل بفقدان الأموال كلها بخسارة أو كارثة، أو سرقة، أو غيرها، من أجل ذلك كان لابد من الالتزام والوضوح بالعقود المبرمة بين الطرفين، وإعطاء أصحاب الحقوق حقوقهم في الوقت المتفق عليه دون تأخير أو تماطل أو مراوغة، فإن الأجير إنسان عليه مسؤوليات وحقوق تجاه نفسه وأسرته وأولاده وأهله، لذلك قال المصطفى عليه الصلاة والسلام: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه«(2).

    

وإن من أسباب بركة الأموال وازديادها، ومن أسباب التنمية الاقتصادية المتطورة، ومن أسباب الخروج من الكربات المالية كالديون والخسائر التجارية: هي إعطاء الحقوق لأصحابها والتعامل بوضوح واستقامة مع الآخرين، ولا شك أن ذلك من الأعمال الصالحة التي ترتقي بالأمة إلى مدارك الرفعة والتمكين في مجالات الحياة كافة، وتزيل عنها تخلفها وفقرها وجهلها.

    

هذه الأعمال الصالحة الثلاثة التي تقرب بها الرهط الثلاثة لخالقهم ليخرجوا مما كانوا فيه من الانحسار والانحباس في الغار، وقد لبّى الله تعالى دعوتهم وقبل تشفعهم بتلك الأعمال، وفي ذلك دليل على أن الإنسان بحاجة ماسة إلى الأعمال الصالحة التي تكون خالصة لوجه الله تعالى لتكون له سلاحًا في الدنيا وذخرًا في الآخرة.

ويرد هنا سؤال: هل هذه الأعمال الصالحة فحسب هي التي يظهر أثرها على النفس والأسرة والمجتمع في الدنيا والآخرة؟ أم كل عمل صالح واجب أو مستحب؟

والجواب: هو الثاني بلا شك، فالعلم الصالح أيًّا كان واجبًا أو مستحبًّا له أثره إذا قورن بالإخلاص.

وهذا يعني أن المسلم يعيد برمجة حياته ليحتفظ له بالأعمال الصالحة وبخاصة إذا كانت لازمة الوجوب مثل: بر الوالدين، والبعد عن الفواحش، وحفظ الأمانة، وبخاصة إذا كانت حقوقًا للآخرين، وهذا يدل على عظم حقوق الناس وعدم خدش أعراضهم وأموالهم وعدم رد جميلهم، فليعِ كل مصلح ذلك، وليعِ كل مسلم ذلك، وليعِ كل معرض ذلك قبل فوات الأوان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) «صحيح البخاري»، رقم(2270)، ص(361، 362) .

(2) «ابن ماجه»، رقم(3443)، ص(350) .