بحث عن بحث

الوقفة الثالثة: تفصيل الأعمال الصالحة في الحديث (1-3)

أشار الحديث إلى الأعمال التي توسل بها النفر الثلاثة إلى الله تعالى لإزاحة الصخرة عن غارهم، والإشارة إلى بعض النقاط المهمة فيها، ولا شك أنها أعمال جليلة وكريمة، شأنها عظيم في الإسلام، فلما أداها هؤلاء بإخلاص ظهرت نتائجها في الدنيا:

      أولاً: حقوق الوالدين:

إن من الأعمال الصالحة التي تقدم أحد أولئك النفر بين يدي ربه هو ذكره لعمل جليل قام به في إحدى الليالي لوالديه حفاظًا على راحتهما ودفعًا لإزعاجهما، وتوسّل لربه عز وجل – وهو عليم بذلك – أن ما قام به كان خالصًا لوجه الله تعالى، وطمعًا في ثوابه ورضاه، فكان هذا التضرع بهذا العمل الصالح في ذلك المقام العصيب في الغار، سببًا لإزاحة الصخرة قليلًا وانفراجها عما كانت عليه.

فنستشف من هذا الحديث وهذه القصة عظم شأن الوالدين عند الله تعالى، وكيف لا يكون ذلك كذلك وقد جاء الخطاب الرباني في كتاب الله العزيز باقتران الإحسان للوالدين مع الأمر بتوحيده وإفراده بالعبودية: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}(1) ، وأيضًا قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}(2)  وغيرها من الآيات.

فالإحسان إلى الوالدين، والبر بهما من الأعمال الصالحة التي يحبها الله ورسوله.

وقد سُئل النبي ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها» قال: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله«(3)

وقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة، فحافظ على والديك أو اترك«(4).

وجاء التحذير الشديد والوعيد الأليم في القرآن والسنة لمن يسيء إلى والديه بأية صورة أو أي شكل، وإن كانت بالإشارة أو التأفف، يقول الباري عز وجل: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}(5).

ويصف النبي ﷺ فعل مَنْ يسيء إلى والديه ويعقهما بالكبيرة التي عليها الوعيد الشديد من الله تعالى: عن أنس ا قال: سئل النبي ﷺ عن أكبر الكبائر؟ قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور«(6).

ويقول رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن على الخمر، والمنَّان بما أعطى«(7).

فليتعظ أولئك الناس الذين يتغربون أو يغرّبون في أفكارهم وتصوراتهم من هذا الاهتمام الكبير والعناية الفائقة لهذا الدين بالوالدين اللذين صرفا عمرهما وأنهكا قوتهما وسهرا الليالي لأجل أولادهما، وكم بكيا لآلامهم وأوجاعهم! وكم تصبرا لعنادهم ومراهقاتهم! أليس من الوفاء أن يرد جزءًا قليلًا من ذلك التعب المضني والعذاب الدائم بالإحسان إليهما؟ لا أن نلجأ كما يلجأ الغربيون ومن يسيرون على نهجهم إلى إنشاء دور للعجزة، أو وضعهم في صناديق ورميها على أطراف المدن؟؟!! نسأل الله العفو.

ومن هنا فالمسلم يضع ضمن أولويات برامجه في هذه الحياة برّ والديه والإحسان إليهما والقيام بشؤونهما قوليًّا وفعليًّا وماديًّا؛ تنفيذًا لأمر الله تعالى، وردًّا للجميل بنفس راضية مطمئنة من غير ضجر أو ملل أو كآبة، ما لم يكن في معصية الله(8).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [النساء: 36]

(2) [الإسراء: 23]

(3) «صحيح البخاري»، رقم(527)، ص(89، 90)، و«صحيح مسلم»، رقم(85)، ص(52) .

(4) «سنن ابن ماجه»، رقم(2089)، ص(300) .

(5) [الإسراء: 23 – 24]

(6) «صحيح البخاري»، رقم(2653)، ص(430)، و«صحيح مسلم»، رقم(88)، ص(53) .

(7) «سنن النسائي»، رقم(2563)، ص(354).

(8) قد فصلتُ حقوق الوالدين في كتابي «دروس في الحقوق الواجبة على المسلم» فليرجع إليه من أراد التفصيل .