بحث عن بحث

آثار الشكر وثمراته

إن الشكر هو الاعتراف بالنعمة السارّة التي يتفضل بها الله عز وجل على عبده وأن العبد عاجز عن تأدية حقها عليه، وأن ما آتاه الله فضل منه وإحسان لا حول له فيه ولا قوة، ولم يؤته على علم منه ولا قوة فالعبد الشاكر متواضع لأنه يعلم أن السرّاء التي أصابته لم يحصل عليها بعلمه وقوته، وهو مجتهد في الطاعة اعترافًا بفضل الله عليه فكيف إذا أنعم الله عليه بالسرّاء؟

فللشكر فوائد عظيمة تعود على الشاكر نفسه وعلى مجتمعه بالخير العميم، ومنها:

1 – أن العبد الشاكر ينال قبل كل شيء رضوان الله تعالى وأجره العظيم يوم القيامة، لقوله تعالى: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}(1)، وهذا غاية ما يتمنى العبد في سعيه في هذه الحياة.

2 - الشعور بالرضى والقرب من الله عز وجل، حيث يحس العبد الشاكر أن الله عز وجل خصّه بكرمه فيقبل عليه بالتوبة والاستغفار والثناء عليه سبحانه بما هو أهله، وينال راحة نفسية عظيمة، ثم إنه يبادر إلى من حوله فيحسن إليهم شكرًا لله الذي أحسن إليه ويبذل جهده في إدخال السرور إلى قلوبهم كما أدخل الله المسرة إلى قلبه فتحصل بذلك الفائدة لمجتمعه وتزداد عرى الترابط بينه وبين من أحسن إليهم، فإن فعل ذلك زاده الله من نعمه وأسبغها عليه ظاهرة وباطنة.

3 - ولأن النعمة وما يصاحبها من السرور والفرح قد تنسي المنعَمَ عليه فضل المنعِمِ جلّ وعلا فقد حثّ الله عز وجل عباده على الشكر لئلا تلهيهم النّعم فيطغوا في الأرض بغير الحق، فتكرر قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} في مواضع كثيرة من كتابه العزيز، وقد أثنى الله عز وجل على عباده الشاكرين وجعل الشكر شرطًا لدوام النعمة وزيادتها، فقال تعالى: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} (2)، وقال: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد}(3).

4 - إن شكر النعمة، يؤدي إلى الطمأنينة والراحة النفسية الدائمة، لأنه لم يجعل المال في قلبه وإنما جعله في يده، ولم يفاخر به على الآخرين وينسبه إلى نفسه، وإنما يرجعه في الأصل إلى الله تعالى، الذي بيده ملكوت كل شيء، ويرزق من يشاء بغير حساب، كما أنه اعتقد أن هذه النعمة وسيلة لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وتسخيرها في طاعة الله وإقامة حكم الله، وإنما هو مكلف للقيام بهذه المهمة ومحاسب عليها يوم القيامة. إن هذا التصور يلقي بظلال من الراحة على نفوس المنعم عليهم لأنهم ساروا على الطريق المرسوم لهم من ربهم، ثم إنه يخرج من قلوب الفقراء والمحتاجين في المجتمع عوامل الحقد والنقمة على المنعم عليهم، فينشأ بين الطرفين الود والتعاون والوئام، وينجلي كل أسباب الضغينة والكراهية التي تؤدي إلى خلخلة المجتمع، وإفشاء القلق وأمراض النفس بين الناس التي قد تؤدي إلى النهب والسرقات أو القتل أو أية جرائم أخرى.

5 - إن النفس التي يملأها الخير هي النفس المطمئنة العامرة بحب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وحب المؤمنين، فلا تجد فيها ما يكدر من صفوها، أو يوسوس لها الاستعلاء والاستكبار على الآخرين.لأن من مداخل الشيطان إلى النفس أن يوحي إليها أن كل ما عندها من الخير والنعم هي من صنعها وكدها وتعبها، وليس لأحد فضل عليها أو منّة، وهو مستنقع خطير يصطاد الشيطان من خلاله الضعفاء من البشر.

6 - إن الاستقرار النفسي الذي ينتج عن شكر نعم الله يؤدي إلى الاستقرار والأمن في المجتمع، وهو أمر مهم للحفاظ على تماسك الناس فيما بينهم، وكذا الحفاظ على راحتهم النفسية، وعلى العكس من ذلك فإن أي اضطراب في النفس أو غضب سينقلب سلبًا على الناس وعلى المجتمع، لذا كان الشكر أمرًا مطلوبًا لتفادي هذا الخطر على النفس قبل البشر.

*          *          *

وبعد:  فمن خلال هذه الآثار العظيمة تبين لنا كيف أن شكر اﷲ تعالى على نعمه واق من الأمراض النفسية ومعالج لها لما يؤديه من الاستقرار النفسي واطمئنانها وأمنها، وما يعود ذلك على المجتمع بأسره بخلاف ذاك المتعالي المتكبر الذي اغتر بصحته وماله وجاهه فتعظم في نفسه فينفخ فيه الشيطان حتى يصاب بما يسمى بـ(جنون العظمة) فيعيش قلقاً مضطرباً رغم كل هذه النعم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران، الآية 145.

(2) سورة آل عمران، الآية145.

(3) سورة إبراهيم، الآية 7.