بحث عن بحث

الموقف من النعم (5-5)

وشكر نعمة الوقت والفراغ يكون بإيمان الإنسان أنه محاسب أمام الله تعالى على نعمة الوقت وكيف قضاها في الحياة الدنيا، في الخير أم في الشر؟ لذلك وجب على المسلم أن يتفهم النصوص التي وردت في قيمة الوقت والفراغ، ويعرف كيف يستخدمها في الطريق الصحيح، وفي طاعة الله، ومعرفة أنه مسؤول عن ضياع الزمن في الحرام، أو إمضائه في الأمور التافهة التي لا منفعة من ورائها، وشكر هذه النعمة يكون باستغلاله في طاعة الله تعالى، ومنفعة نفسه والناس من حوله، لأن هذه الدنيا دار فناء، مهما طالت وامتدت فمصيرها الزوال، بخلاف الدار الآخرة الأبدية التي هي دار القرار والمآل، لا زوال فيها ولا فناء، وتتجلى هذه الحقيقة في قول الله تعالى في تصوير حال المجرمين يوم القيامة: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ}(1)، وقوله جل وعلا: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}(2)، والإنسان في هذه الحياة غريب أو عابر سبيل، فعليه أن يستغل هذه الرحلة القصيرة فيها بالمسارعة إلى فعل الخير بكل أشكاله، من قراءة القرآن وحفظه، ودراسة السنة النبوية وحفظها وفهمها، وطلب العلم الشرعي وغيره، وكذا مواصلة الأرحام وزيارتهم ودعوتهم وإرشادهم إلى طريق الهدى، وكذا قضاء حوائج الناس بقدر الإمكان، وغيرها من أعمال الخير الكثيرة والمتعددة، والتي تعود بالأجر والنجاة على الإنسان في الآخرة، وبالسعادة والراحة والتمكين في الأرض في الدنيا، راجيًا وراء ذلك كله رضوان الله تعالى وجناته، يقول الله تعالى: {سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}(3)، ثم إن الوقت لا يمكن أن يؤجل أو يؤخر؛ بل على العكس من ذلك، فإنه يمضي ولا يتوقف لأي أمر أو عارض، لذلك قالوا: «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك هي بالشر».

وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي.

وشكر نعمة الزواج يكمن في حمل مسؤوليته على الوجه الشرعي، وذلك في قيام الإنسان بأداء الواجبات المترتبة عليه تجاه زوجته، في حسن معاشرتها وإعطائها حقوقها حسب حالته، والتخلق في ذلك بآداب الإسلام الواجب اتباعها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»(4)، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته...» (5)، ومن مقتضيات شكر نعمة الزواج بناء الأسرة على أساس إسلامي متين، من حيث تربية الأولاد على حب الله وحب رسوله عليه الصلاة والسلام في التمسك بالكتاب والسنة، والتخلق بأخلاق الإسلام وآدابه في جميع مناحي الحياة، وغرس روح التضحية والفداء بالمال والنفس في سبيل هذا الدين.

وشكر نعمة الأمن على الإنسان يكون في استغلاله في طاعة الله بكل أشكاله، لأنه لا يدري ربما تتغير الأحوال والظروف وتنقلب هذه النعمة إلى خوف وهلع، ولا يجد حينها الجو المناسب لأداء الطاعات والعبادات فيها، وكذلك من شكر هذه النعمة إيصال الحقوق إلى أصحابها والابتعاد عن الظلم والعنجهية في التعامل مع الناس، حتى لا يبتليه الناس بمحنة الخوف التي قد ينتقم هؤلاء المظلومون منه انتقام شديدًا، ويخلق بذلك التوتر والقلق بين الناس أنفسهم، ولنا في الأمم الغابرة دروسًا وعبرًا، يقول الله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}(6)، وهكذا في كل نعم الله العظيمة التي لا تعد ولا تحصى يشكر العبد فيها ربه جل وعلا بما يقابلها حتى يحصل على آثارها الإيجابية وثمراتها النافعة على نفسه وأسرته ومجتمعه في الدنيا والآخرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الروم، الآية 55.

(2) سورة النازعات، الآية 46.

(3) سورة الحديد، الآية 21.

(4) جامع الترمذي، رقم 3895، ص878

(5) صحيح البخاري، رقم 892، ص143-144.

(6) سورة النحل، الآية 112.