بحث عن بحث

الموقف من النعم (2-5)

2 - شكر اللسان: وهو الثناء على المنعم، والتحدث بأنعم الله تعالى وأفضاله التي لا تعد ولا تحصى، وهذا الركن عبارة عن الوسيلة التي ينقل الإنسان من خلالها شكر الله من الداخل في القلب إلى الخارج بالتلفظ بها، وشكر الله تعالى باللسان لا بد منه، لبيان حاله للآخرين والثناء والتحميد على المنعم الجليل بأفضاله ونعمه عليه، من غير حول ولا قوة منه ولا لغيره من البشر، فهو المنان الوحيد، وإنما كان سعي الإنسان سببًا لجلب هذه النعمة وليس أصلاً لها، حتى لا يقع الإنسان فيما وقع فيه قارون من قبله حين قال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي}(1)، ويقول الله جل ذكره في هذا النوع من الشكر: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}(2)، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال: «يا معاذ والله إني لأحبك فقال أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»(3).

ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من قال حين يصبح اللهم ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك، لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر فقد أدى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليله»(4).

وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التحدث بالنعم شكرها وتركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله عز وجل؛ والجماعة بركة والفرقة عذاب»(5).

ويدخل في هذا النوع من الشكر كل ذكر لله تعالى من قراءة للقرآن أو تسبيح أو تهليل أو استغفار، ما دام اللسان رطبًا بذكر الله تعالى.

3 - شكر سائر الجوارح: وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقه، فهو من أعظم أنواع الشكر وأصدقها، ذلك أن ما ينبض به القلب من الحمد والشكر وكذلك ما يردده اللسان يترجم إلى واقع عملي، ومعظم أمور الدين إذا لم تتحول إلى عمل فهو لا يعد شيئًا في ميزان الشرع، وقد جاءت الآيات القرآنية الكثيرة التي تقارن الإيمان بالعمل الصالح، أو صفات أخرى ينبغي التحلي بها، يقول الله تعالى: {وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(6)، وكذا قوله جل ثناؤه {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا}(7).

وقد صحّ عن الحسن رضي الله عنه قوله: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل.

فبذلك يكون الشكر العملي من أسمى وأعظم أنواع الشكر وأكثرها قبولاً عند الله، واستعمال الجوارج في التعبير عن شكر الله تعالى على نعمه وأفضاله تتمثل في كل أنواع الخير والطاعات، وترك المعاصي والمنكرات، أما بالنسبة للنعم التي ذكرناها فإنه لا بد من بيان الأعمال التي تقوم بها الجوارج للتعبير عن هذا النوع من الشكر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة القصص، الآية 78.

(2) سورة الضحى، الآية 11.

(3) سنن أبي داود، رقم 1522، ص225. ورواه أحمد والترمذي والنسائي.

(4) سنن أبي داود، رقم 5073، ص713. ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر ص149.

(5) الشكر لابن أبي الدنيا، ص95. وورد في جامع الترمذي "من لم يشكر الناس لم يشكر الله" رقم 6955، ص454.

(6) سورة العصر.

(7) سورة الكهف، الآية 107.