بحث عن بحث

السراء في الحياة وصورها (1-3)

السرّاء: الرّخاء كما في الصحاح وبه قال بعض المفسرين لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ}(1) ، وقال ابن عباس: السراءُ: اليسر، وقيل: السراء: الصحة، وقيل: العرس والولائم وقيل غير ذلك(2).

والظاهر من اشتقاقه أن السرّاء: فعلاء من السَّررِ أو السرور والسرر التجويف يقال قناة سرّاء أي جوفاء أما من السرور فإنها تعني كل ما يدخل السرور إليك فالسرّاء هي النعمة التي تسر من أصابته وتدخل الفرحة إلى قلبه فهي تشمل المسرات المعنوية والمادية التي ينعم بها الله عباده ويختص بها من يشاء منهم ابتلاء واختبارًا ليظهر للعيان انفعالهم بها ومقابلتهم لها بالشكر أو الكفر.

فأما المؤمن فإنه يقابل نعم الله السارّة بالشكر فيكتب له فوق ما نال من السرور الأجر الكبير والثواب العظيم.

وللسراء أسباب لا يمكن حصرها، فهي تشمل نعم الله الكثيرة التي يحيط بالإنسان من كل جانب، الجليّة منها والخفية، وسنذكر بعض صور السراء التي تمس واقع الناس، وموقف المؤمن منها، وهي:

أولاً: المـال

إن من أهم النعم التي يغدقها الله تعالى على عباده نعمة المال وهي تشمل العملة النقدية والعقار والزراعة والتجارة والصناعة.. وغيرها، وهي من النعم المهمة التي يسير بها الإنسان حياته المادية، ويحقق من عبرها طموحاته وآماله الدنيوية، وهي من الأشياء التي لازمت الإنسان من القديم، وكانت السبب في معظم الصراعات والحروب بين البشر، وكانت من الأسباب التي ترفع من قيمة الإنسان وشأنه في الحياة، وهي علامة للقوة والسيطرة في المجتمعات الجاهلية، فالقوي هو الذي يملك المال الكثير وإن كان ضعيفًا في جسمه وعقله وعشيرته، والفقير هو عكس ذلك وإن كان ذا قوة في الجسم ورجاحة في العقل، وعراقة في الأصل.

ويعد المال من متاع الدنيا وزينتها كما وصفه الله بقوله:  {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}(3). وكذا قوله تعالى:{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}(4)، فالثري الذي يملك أموالاً كثيرة يتمتع بملذات الحياة وطيباتها، فيملك البنيان الفاخر، والمؤثث بأرقى الأثاث، والمزخرف بأزهى الزخارف، ويمتلك أحدث أنواع المراكب والسيارات وأفخمها، ويأكل من أشهى المأكولات والأطعمة، فضلاً عن الحشم والخدم الذين يحومون حوله لخدمته والحفاظ على راحته.

وبإمكان هذا الثري أن يتزوج ما يشاء من النساء حسنًا وجمالاً، فيده تطال إليهن بسهولة لأنه يستطيع أن يؤمن لهن كل متطلبات الحياة من سكن وملبس ومطعم، وأن يؤمن لهن الكماليات زيادة على الضروريات.

وبإمكانه أن يجلب لأولاده أفضل المعلمين والمربين لتدريسهم وتوعيتهم، وإن كلفت ذلك أموالاً طائلة.

ويستطيع كذلك أن يجوب أصقاع العالم بين فترة وأخرى، ويسافر لأي بلد يشاء، ويستمتع بجمال البلاد الأخرى وغرائبها وعجائبها، فيغير الأجواء، ويتنفس الصعداء، ويروح عن نفسه بذلك.

فكل هذا، وغيره كثير من أسباب الراحة والملذات، يعد نعمًا وأفضالاً من الله تعالى يتقلب فيها الإنسان ويستمتع بها، وهي ثمرة لنعمة المال التي منحها الله تعالى لعباده وجعلهم مستخلفين فيه.

ثانيًا: الصحة

وهي نعمة كبرى لا يعرف قيمتها إلا المرضى، وكما قيل: الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى، هي نعمة عظيمة من نعم الله الكثيرة، لأن الإنسان الصحيح الذي لا يشتكي من أي عضو في جسمه، يستطيع تناول الطعام والشراب وكافة الملذات والطيبات بسهولة ويسر، كما يستطيع القيام والقعود والنوم والمشي والجري دون معاناة أو إعاقة، لذا كانت الصحة نعمة وفضلاً من الله تعالى للإنسان ليتمكن من تبليغ رسالته في الحياة الدنيا، ويعبد الله كما أمره الله، ويتجنب معاصيه ونواهيه، يقول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(5).

وينسى كثير من الناس نعمة الصحة في خضم أمواج الفساد التي تضرب أصقاع المعمورة من جميع الأطراف، وفي ظل طغيان المادة على كل شيء، فنسي الناس أنفسهم وحقيقة ذواتهم، وما حولهم من الآيات والبينات والعبر التي لم تصل العلوم المعاصرة إلا إلى جزء يسير منها،  يقول الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}(6)، وينسى الإنسان الغارق في بحر المادة والمتنعم بالصحة والعافية، أن أوله نطفة قذرة وآخره جيفة مذرة، وأنه لا يمثل شيئًا في ملكوت الله، لولا أن الله تعالى بكرمه وفضله رفع من شأنه وخلقه في أجمل صورة وقوّمه أحسن تقويم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران، الآية 134.

(2) تفسير القرطبي، ج4/130.

(3) سورة الكهف، الآية 46.

(4) سورة آل عمران، الآية 14.

(5) سورة الذاريات، الآية 56.

(6) سورة فصلت، الآية 53.