بحث عن بحث

علاج الغضب والوقاية منه (2-3)

5-الالتصاق بالأرض: أي أن يبقى الإنسان الغاضب في مكانه، فإن كان جالسًا فلا يقوم، لأن الحركة قد تثيره أكثر، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بشيء فليلصق بالأرض«(1).

وفي التعقيب على هذا الحديث يقول الشيخ عبدالرحمن حسن حبنكة: «نلاحظ في هذا الحديث لونًا من ألوان العلاج لثورة الغضب وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم ألا وهو اللصوق بالأرض والغرض منه تجميد كل حركة يمكن أن ينجم عنها آثار غضبية مادية«(2).

6-تغيير وضعية الغاضب أثناء غضبه، إن كان واقفًا يجلس أو يضطجع، فعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع«(3).

وهو علاج لتهدئة النفس وإخماد نار غضبها، لأن الإنسان في حالة الوقوف يكون مهيئًا للانتقام أكثر منها في حالة الجلوس، وفي حالة الجلوس منها في حالة الاضطجاع، لذا جاء الوصف النبوي بهذه الوصفة العلمية الدقيقة، التي أكدتها الدراسات النفسية المعاصرة، من أن أعصاب الجسم ترتخي وترتاح في الانفعال أثناء الجلوس أو الاضطجاع، وهي الحقيقة يجب الالتفات إليها من قبل المختصين لعلوم النفس، والعوام من البشر.

7-كظم الغيظ أثناء الغضب بالعفو وعدم الانتقام، لأن ذلك يقضي على بذور الفتن، ويفتح أبواب المحبة والتسامح بين الناس، ويسد أبواب الشيطان التي يمكن من خلالها أن يدخل بين المسلمين فيثير العداوات والبغضاء في صفوفهم، ثم إن لهذا الكظم والعفو أجراً عند الله عظيم، ورضواناً منه ومغفرة، يقول الله تعالى في تعداد صفات المتسابقين إلى الخيرات {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(4)، والأحاديث الواردة في كظم الغيظ والعفو عن الناس كثيرة جدًا نذكر بعضًا منها:

قوله صلى الله عليه وسلم: «من كظم غيظًا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيِّره أي الحور شاء«(5).

وقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من جرعة أعظم أجرًا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله«(6).

ويقول عليه الصلاة والسلام: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله«(7).

فهذه الأحاديث وغيرها كثيرة تحث الغاضب على العفو والتسامح، والابتعاد عن الانتقام وهي ضوابط إيمانية يلتزم بها المؤمن الصادق؛ لأنها تجعله صاحب نفس قوية، تستطيع الانتقام ولكنها تمتنع عنه امتثالاً لقول نبيه صلى الله عليه وسلم، فترسى بهذه الضوابط دعائم الوحدة بين أبناء المجتمع، وترسخ فكرة التسامح والعفو التي تسمو بالنفس البشرية إلى أعلى مدارج السمو والرقي. إضافة إلى سدها منافذ الشيطان وإغلاقها مقاصده.

8-السكوت وضبط اللسان عن الكلام أثناء الغضب، لقوله عليه الصلاة والسلام: «علِّموا ويسِّروا ولا تعسّروا وإذا غضب أحدكم فليسكت» قالها ثلاثًا(8). لأن إطلاق اللسان أثناء الغضب قد يجعل الإنسان يتلفظ بكلمات سيئة وبذيئة، تكون لها آثارٌ ضارة عليه وعلى الآخرين، ومعلوم أثر الكلام في النفس، والإنسان يمكن أن ينسى سلوكًا معينًا نحوه، أو تصرفًا مؤذيًا له، لكنه هيهات أن ينسى كلامًا جارحًا أو ثقيلاً على النفس قيل له، وغالبًا لا يتلفظ الإنسان الغاضب إلا بالكلمات التي تجرح مشاعر الآخرين، وقد يكون مخلاً بالآداب العامة، وقد حثنا الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام على الالتزام بالصمت والسكوت في جميع الحالات، إلا إذا كان الكلام خيرًا فقد سمح به، يقول عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت«(9).

وقال الشاعر:

جراحات السنان لها التئام *** ولا يلتام ما جرح اللسان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جامع الترمذي، رقم 2191، ص504.

(2) الأخلاق الإسلامية وأسسها (2/331).

(3) سنن أبي داود، رقم 4782، ص678. وكذلك رواه أحمد وابن حبان.

(4) سورة آل عمران، الآية 134.

(5) سنن ابن ماجه، رقم 4186، ص610.

(6) سنن ابن ماجه، رقم 4189، ص610.

(7) صحيح مسلم، رقم 6592، ص1131-1132.

(8) مسند أحمد، رقم 2136، ص 207.

(9) صحيح مسلم، رقم 174، ص41.